الكاتب والباحث الاكاديمي صلاح الاركوازي ||
إن النصر الإيراني في حالة “اللاحرب واللاسلم” لا يعتمد على هزيمة عسكرية حاسمة للخصم، بل على استنزاف إرادة التحكّم الأمريكية وجعل تكلفة المحافظة على الوضع القائم أكبر بكثير من كلفة القبول بإيران كقوة إقليمية نووية ومؤثرة لا يمكن استبعادها.
إن من اصعب الاختبارات والمواقف هي حالة اللاحرب واللا سلم وخصوصا عندما تكون الكفتين غير متكافئتين فامريكا والكيان الغاصب والغرب واموال الخليج مقابل دولة فرض عليه الحصار منذ اكثر من 40 عاما ، فهذه المعادلة تحتاج الى رجالاتها وقاماتها ومثل هذه القامات والرجالات كان الامام الخميني والخامنائي رضوان الله عليهما قد اعدّوا وهيئوهم لمثل هذه المواقف وايام ، فكما كانوا جبال شامخة في النزالات السابقة اليوم سيكونون نفس ذلك الجبل الشامخ امام هذا الطود وسيكسرون هذا الجمود وتكسر عنجهيتهم وسيلجأون كعادتهم الى تقبيل الايادي والارجل والايام بيننا.
كل الاراء تتفق على أنه لا يوجد منتصر مطلق في حالة “اللاحرب واللاسلم”، بل يتحدد الفائز بمدى قدرة كل طرف على تحويل (( كلفة الانتظار إدارةً واستراتيجيةً لصالحه)).
تُمثل معادلة الصراع بين طهران وواشنطن نموذجاً حياً لحرب الاستنزاف المركبة، حيث تسعى كل قوة لفرض شروطها دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة ومكلفة للطرفين.
ديناميكيات الصراع وحسابات القوة
تعتمد استراتيجية كلا الطرفين على أدوات رئيسية لترجيح كفة الميزان السيادي والعسكري:
اولاً – المقاربة الأمريكية (العزل والاختناق الاقتصادي):
تراهن واشنطن على العقوبات الاقتصادية المشددة والحصار البحري لتجفيف المصادر المالية لطهران، مراهنةً على تأليب الجبهة الداخلية أو إرغام القادة على القبول بتفاهمات أمنية واستراتيجية أوسع.
ثانياً – المقاربة الإيرانية (الردع الصامت والإنهاك التكتيكي):
تعتمد طهران على ترسيخ معادلة “منطقة منع الوصول” (A2/AD) عبر مضيق هرمز، وتوظيف حلفائها الإقليميين لتوزيع كلفة الضغط، مع استمرار تطوير برنامجها التكنولوجي والعسكري لجعل كلفة أي صدام عسكري مباشر فوق استطاعة واشنطن.
ميزان الخسائر والمكاسب
1 – المحور
أ – الولايات المتحدة الأمريكية
ب – الجمهورية الإسلامية الإيرانية
2 – الهدف الاستراتيجي
أ – تحجيم النفوذ الإقليمي ومنع التفوق النووي
ب – تثبيت معادلة الردع ورفع العقوبات والاقتصاد المقاوم.
3 – نقطة القوة
أ – التفوق العسكري المباشر والسطوة الاقتصادية الدولية.
ب – الجغرافيا الاستراتيجية والنفوذ الإقليمي الممتد.
4 – الكلفة والنزيف
أ – استنزاف الموارد وانتشار التشتت الاستراتيجي إقليمياً.
ب – ضغوط اقتصادية معيشية شديدة وتضخم متصاعد.
سيناريوهات الحسم والنتيجة المرتقبة
إن استمرار حالة اللاحرب واللاسلم يحيل النصر إلى مفهوم نسبي يرتبط بالصمود الجيوسياسي:
1 – نصر واشنطن: يتحقق إذا أدت الضغوط الاقتصادية والسياسية الممتدة إلى انكفاء طهران وإرغامها على تفكيك أوراق قوتها الإقليمية والنووية بشكل غير متكافئ.
2 – نصر طهران: يتحقق عبر القبول الدولي بكونها قوة إقليمية أمر واقع، وتجاوز العقوبات بالتكيف الشامل دون تقديم تنازلات تمس بنيتها السيادية والأمنية.
تظل هذه الحالة قائمة طالما كانت كلفة الاستمرار فيها أقل بالنسبة للطرفين من كلفة الحرب الشاملة أو التسوية الشاملة.
يتحقق النصر في معادلة اللاحرب واللاسلم عبر القدرة على التكيف الهيكلي وتحويل الزمن من أداة استنزاف إلى منصة للفرض الجيوسياسي.
أولاً: مقومات الصمود وآليات التفكيك
1 – مرونة الجبهة الداخلية: تتطلب إدارة الصراع الممتد قدرة النظام السياسي على امتصاص الصدمات الاقتصادية والاجتماعية، وتحويل الاقتصاد المتأثر بالعقوبات إلى نموذج شبه مستقل قادر على تمويل الالتزامات الأساسية.
2 – إدارة الحلفاء والوكلاء: تعتمد طهران على توزيع المخاطر عبر شبكات حليفة غير متناظرة تكلف واشنطن جهداً استراتيجياً ومالياً مستمراً، بينما تسعى واشنطن لبناء تحالفات إقليمية تضمن عزل إيران دون التورط المباشر.
3 – الردع التكنولوجي المتصاعد: يستلزم حسم هذه المرحلة تطوير قدرات نوعية (كالطائرات المسيرة، والصواريخ الفرط صوتية، والتفوق السيبراني) للالتفاف على التفوق العسكري التقليدي للطرف الآخر.
ثانياً: التحولات الجيوسياسية المحددة لاتجاه الحسم
اولاً – – المتغير الاستراتيجي
أ – تاثيره على واشنطن
ب – تاثيره على طهران
ثانياً – – النظام الدولي متعدد المراكز
1 – يقلل من فاعلية الهيمنة الأمريكية وحصار العقوبات.
2 – يفتح منافذ اقتصادية وأمنية مع قوى كبرى كشاركتي بكين وموسكو.
ثالثاً – الرأي العام والانتخابات
1 – يخلق ضغطاً لتقليل الانخراط الخارجي ومنع الانزلاق لحروب مكلفة.
2 – يواجه ضغوطاً ملاحقة لضمان الاستقرار المعيشي والتوافق الوطني.
أمن الطاقة والملاحة
3 – يرغمها على تخصيص أساطيل للحماية والتواجد الدائم.
4 – يمنحها ورقة ضغط استراتيجية في الممرات البحرية الحيوية.
ثالثاً: مخرجات الحسم المرتقبة
1 – الانتصار الهادئ (تطبيع الواقع): إرغام الطرف الآخر على قبول الأمر الواقع والتعايش مع الحدود الجديدة للنفوذ دون توقيع اتفاق رسمي.
2 – الانهيار بالإنهاك: تراجع قدرة أحد الطرفين على تحمل تكاليف الصيانة الاستراتيجية لمنظومته، مما يؤدي إلى تنازلات هيكلية متتالية.
والسؤال التالي يطرح نفسه وبالحاح شديد:-
كيف ستخرج طهران منتصرة من حالة الجمود هذه ؟
ستخرج طهران منتصرة في معادلة “اللاحرب واللاسلم” إذا نجحت في تحويل الوقت إلى عنصر بناء أمن استراتيجي واقتصادي يجعل استمرار الضغوط الأمريكية بلا جدوى.
يستند الحسم لصالح إيران إلى ركائز استراتيجية تهدف إلى تجاوز مفاعيل الحصار وتحويل الردع الهجين إلى واقع مجرد يُجبر واشنطن على الإذعان الأمر الواقع:
أولاً: المقومات الاستراتيجية للنصر الإيراني
1 – تفريغ العقوبات من محتواها (التكيف الاقتصادي):
الوصول إلى نقطة التعادل الاقتصادي عبر تعزيز الشراكات مع القوى الدولية المناهضة للهيمنة والغرب (مثل الصين وروسيا)، والاندماج في التكتلات الاقتصادية الإقليمية (كـ “بريكس” ومنظمة شانغهاي)، مما يقلل اعتماد اقتصادها على النظام المالي الغربي (SWIFT).
2 – فرض الردع المتكامل و(A2/AD):
ترسيخ معادلة “منطقة منع الوصول والتحريم الجوي والبحرية” (A2/AD) في خليج عمان ومضيق هرمز. هذا التفوق في القدرات غير المتناظرة (الصواريخ الدقيقة، الطائرات المسيرة، والألغام البحرية) يجعل تكلفة أي خيار عسكري أمريكي باهظة ومستحيلة على الصعيد السياسي والمالي.
3 – تحويل النفوذ الإقليمي إلى أوراق مساومة سيادية:
تثبيت قواعد اللعبة في الإقليم بصفة إيران قوة إقليمية لا يمكن تجاوزها في ملفات الأمن البحري والطاقة، مع الحفاظ على مرونة حلفائها لتوزيع كلفة الاستنزاف بعيداً عن الداخل الإيراني.
الوصول إلى “العتبة التكنولوجية والنووية”:
ترسيخ موقع إيران كدولة على أعتاب القدرة النووية والتكنولوجية دون كسر الخطوط التي تستدعي مواجهة شاملة، مما يمنحها قوة حصانة وردعاً غير مباشر يفرض على واشنطن القبول بالوضع القائم.
ثانياً: مسارات تحول الصمود إلى نصر جيوسياسي
1 – انكماش الخيار الأمريكي: تحول إستراتيجية “الضغط الأقصى” إلى كلفة سياسية واقتصادية غير مجدية لفرص واشنطن في الشرق الأوسط، مما يدفع الإدارات الأمريكية التعاقبة إلى استبدال التصعيد بسياسة “احتواء تكاليف المواجهة”.
2 – إعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية للمنطقة: انتقال دول الإقليم من الرهان الكامل على المظلة الأمنية الأمريكية إلى تفاهمات أمنية واقتصادية مباشرة مع طهران لضمان استقرار سلاسل إمداد الطاقة والملاحة البحرية.
3 – فك الارتباط عن النظام المالي الغربي: نضوج ممرات التجارة البديلة (مثل ممر “شمال-جنوب”) واستخدام العملات المحلية في التجارة الإقليمية، مما يفقد العقوبات الأحادية قدرتها على شلل الاقتصاد الإيراني.
أي يمكننا القول من إن الخلاصة الإستراتيجيةالا وهو إن النصر الإيراني في حالة “اللاحرب واللاسلم” لا يعتمد على هزيمة عسكرية حاسمة للخصم، بل على استنزاف إرادة التحكّم الأمريكية وجعل تكلفة المحافظة على الوضع القائم أكبر بكثير من كلفة القبول بإيران كقوة إقليمية نووية ومؤثرة لا يمكن استبعادها.
