المهندس مهدي حسين الزبيدي
لم يعد الشرق الأوسط يعيش أزمة عابرة، بل يقف على أعتاب مرحلة تاريخية يعاد فيها رسم خرائط النفوذ، وإعادة توزيع مراكز القوة، والتنافس على الثروات والممرات الاستراتيجية. وما يجري اليوم ليس مجرد أحداث متفرقة، بل هو مخاض نظام دولي جديد بدأت تتراجع معه المنظومة التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية، بعدما أصبح منطق القوة والمصلحة هو الحاكم الفعلي للعلاقات الدولية.
ولأن الشرق الأوسط يمثل قلب العالم الجغرافي والاقتصادي والحضاري، فقد أصبح الساحة الرئيسة لهذا التحول. وقد جاءت الحرب الأخيرة بين إسرائيل وإيران، وما رافقها من تدخل أمريكي، لتشكل محطة مفصلية في قراءة موازين القوى؛ إذ دفعت كثيرًا من دول المنطقة إلى إعادة تقييم حساباتها السياسية والأمنية، بعدما أظهرت أن معادلات الردع والنفوذ لم تعد كما كانت، وأن مرحلة جديدة بدأت تفرض حقائقها على الجميع.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة اتفاق الدفاع المشترك بين تركيا والسعودية وباكستان بوصفه أحد إفرازات هذه التحولات، ومحاولة لبناء مظلة أمنية جديدة في مواجهة واقع إقليمي يتغير بسرعة. غير أن هذه التحالفات، مهما بلغت أهميتها، لا تلغي حقيقة أن أطرافها تواجه تحديات اقتصادية وسياسية وأمنية معقدة، الأمر الذي يجعل قدرتها على صناعة استقرار دائم مرهونة بقدرتها على معالجة أزماتها الداخلية قبل مواجهة تحديات الخارج.
أما العراق، فإن السؤال الذي ينبغي أن يواجهه أصحاب القرار بشجاعة هو: متى نحسن قراءة المتغيرات كما هي، لا كما نريد لها أن تكون؟
لقد أثبتت التجارب أن الولايات المتحدة لم تكن شريكًا يعتمد عليه في بناء العراق أو صيانة سيادته، بل جعلت مصالحها ومصالح الكيان الصهيوني البوصلة التي تحكم سياساتها، بينما دفع العراق أثمانًا باهظة من أمنه واستقراره واقتصاده ودماء أبنائه. وما زال بعض المتصدين يراهنون على رضاها، رغم أن هذا الرهان لم ينتج للعراق أمنًا ولا استقرارًا، بل أبقاه ساحة مفتوحة للتدخلات والصراعات.
كما أن المأساة التي عاشها العراق مع إرهاب تنظيم داعش، وما خلّفه من قتل وتهجير ودمار طال الإنسان والعمران، ينبغي أن تبقى حاضرة في أي قراءة استراتيجية للمستقبل. وفي تلك المرحلة العصيبة، برز الدعم الذي قدمته الجمهورية الإسلامية في إيران للعراق في مواجهة هذا الخطر، من خلال الإسناد والمساعدة في وقت كانت البلاد تواجه تهديدًا وجوديًا، وهي تجربة مهمة عند تقييم طبيعة العلاقات الإقليمية وخياراتها المستقبلية.
ومن هذا المنطلق، فإن بناء علاقات تكامل عسكري واقتصادي وثقافي وإنساني مع الجمهورية الإسلامية في إيران يمثل، خيارًا استراتيجيًا يستحق الدراسة وفق معيار المصلحة الوطنية، ولا سيما في ظل وحدة المصالح، وتشابك الأمن، وقرب الجغرافيا، وما تفرضه التحولات الإقليمية من إعادة تقييم للتحالفات والسياسات.
إن المرحلة المقبلة لا تحتمل التردد ولا الارتهان للخارج. فالقائد الحقيقي هو من يمتلك شجاعة القرار، وحسن تشخيص المتغيرات، ويجعل مصلحة وطنه فوق كل اعتبار. أما الأمم التي تعجز عن قراءة التحولات فإنها تتحول إلى ساحات تتصارع فوقها الإرادات، بدل أن تكون شريكًا في صناعة مستقبلها.
إن الدفاع عن سيادة العراق، وحماية مصالحه العليا، وبناء خياراته الاستراتيجية على أساس المصالح الوطنية، لم يعد ترفًا سياسيًا، بل ضرورة يفرضها واقع إقليمي ودولي سريع التحول. فالتاريخ لا ينتظر المترددين، والأوطان لا يحميها إلا رجال يمتلكون الإرادة والشجاعة والرؤية الواضحة.
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
