عباس سرحان ||
مالت شمس العصر نحو المغيب فوق زَورة آل جويبر، تُلقي على صفحات بقايا الماء ضوءاً نحاسياً يتكسّر بين الشجيرات مترددا قبل الرحيل الأخير، حين خرجنا من مقرات السيد حمزة الموسوي نحو مقرات السيد جبار الموسوي في قضاء الجبايش.
أربعةٌ كنا، أنا مندوباً لإحدى الصحف، وزميلي مصور تلفزيوني ودليلٌ يعرف دروب الأهوار كما يعرف خطوط كفه، ورفيقٌ رابع شدّ معنا الرحال. لم يكن أمامنا سوى الأحراش طريقاً، فالدروب المعتادة محفوفة بعيون النظام وأزلامه، وخطوة واحدة خاطئة كافية لتقلب مهمتنا الصحفية إلى مأساة وتوصلنا إلى سجن الرضوانية سيء الصيت.
العراق، في تلك الأيام، بلدٌ منهكٌ مثقل بتداعيات هزيمته في الكويت، قد تكسّرت قواه واقتصاده، ولم يبقَ من الكهرباء إلا ما يُضيء قصور صدام وحاشيته وعشيرته وقريته التي نشأ فيها. أما بقية العباد فقد تُركوا لعتمةٍ لا تُضاهيها إلا عتمة القهر الذي يعيشونه.
مشينا في قرى غارقة في ظلامٍ دامس، لا يقطع صمتها إلا نباح كلابٍ بعيدة وصدى خطواتنا المتعثرة أحياناً، ورائحة الطين المنبعثة من نهر الفرات وهي تختلط برائحة الأحراش الرطبة، تُثير في نفسي حزناً غريباً لم أستطع تفسيره حينها، وربما أفهمه اليوم.
كأنها رائحة وطنٍ يُحتضَر، وأرضٍ خذلها أبناؤها وقت سلموها للهلاك. ساعات طويلة مرّت، وتجاوزنا منتصف الليل، وأنهكنا التعب دون أن نتوقف، نتعثر أحياناً ونغوص في غابةٍ من الزور البري لا ندري إن كانت تُخفي بين جذوعها ثعابين أو كائناتٍ سامة. وفي إحدى العثرات، هوى زميلي حامل الكاميرا، فكاد يسقط بكامل عدّته، لولا إمساكي بذراعه وأنا أكتم ضحكة خافتة.
همستُ له “اثبت يا رجل، كأنك صدّام كامل في فيلم الايام الطويلة” فكتم ضحكته هو الآخر خشية أن يسمعنا أحد في تلك العتمة، كانت تلك اللحظة العابرة نافذة صغيرة من الضوء وسط ذلك الليل الثقيل، ذكّرتنا أن بإمكاننا أن نمزح حتى في قلب الخطر.
على مبعدة كيلومترات من ناحية الفهود، وعند حافة نهر الفرات تماماً، توقف دليلنا بعد أن سبقنا بخطوات، أمام بيتٍ طيني، منخفض السقف، بدا لي وكأنه نائمٌ هو الآخر مع أهله، لا تنبعث منه إشارة حياة سوى رائحة دخانٍ من موقدٍ قريب.
نادى الدليل بصوتٍ خافتٍ لكنه مسموع، مرةً بعد أخرى، حتى خرجت امرأة، تحدّث معها همساً. بدا أنها إحدى قريباته، وأنها تنتظر قدومه، أو على الأقل اعتادت عليه في مثل هذه الليالي. لم تتضح ملامحها بعد في العتمة، لكنها دعتنا إلى الداخل، وأوقدت الفانوس فارتسمت على الجدران الطينية ظلالنا المرتجفة، فيما أشعلت النار قريباً منا لتُعدّ لنا وجبة سريعة.
خبزاً صنعته تحت كوم من الرماد، وشيئاً من اللبن. تحاشت المرأة استخدام التنور في ذلك الوقت من الليل تجنباً لإثارة الريبة. كنا الضيوف الثقال الذين اقتحمنا مساءها وقطعنا عليها نومها؛ نحن المطاردون الذين نحمل الخطر أينما حللنا، ويكفي أن يُفتضح أمر استقبالها لنا لتُساق هي وأهلها إلى مهالك لا رحمة فيها.
تحت ضوء الفانوس الشاحب، تبيّنت ملامحها، امرأة في الخمسين، طويلة القامة قليلاً، تلفّ رأسها بعباءةٍ سوداء متآكلة الأطراف، ويداها الخشنتان تحملان أثر عملٍ لا يعرف الراحة، ووجهها المتعب مثقل بالعوز والهموم، يحمل في تجاعيده كل ما تحمله نساء الجنوب من صبرٍ لا يكتب عنه أحد.
طوال الوقت الذي أعدّت فيه الطعام، سمعت دليلنا أبا حسين يناديها “أم كريم”. وبينما كنا نأكل مما جادت به يداها، جلست قرب الموقد تُرحّب بنا كأننا أبناؤها العائدون من سفرٍ طويل، وقد بدا عليها التأثر لما شاهدته من التعب المرسوم على وجوهنا.
تخلّلت كلماتها لحظات السكون، وهي تلعن صدام الذي جرّ العراق إلى الخراب والجوع والخوف، كأنها تُفرغ في تلك اللحظة كل ما يختلج في صدرها من ألمٍ وغضب. تسلّل إلى نفسي خاطرٌ يسأل عن سرّ شجاعتها الذي جعلها وهي لا تعرفنا، ولا تدري من نحن، ولا ما يجول في رؤوسنا من أفكار، تفتح لنا بيتها في قلب الليل، وتُطعمنا مما تملك، وتُخاطر بكل شيء لمجرد أننا “مجاهدون” يُقاومون صدام؟
ملامحها التي بدت تحت ضوء النار المتراقص، تتماهى مع ملامح أمي في ذاكرتي، وكأن لنساء الجنوب وجهٌ واحد، تكرّر على مدى أجيال، يحمل الأسى ذاته، ويقدّم التضحية ذاتها، دون أن ينتظر ثمناً.
كنا، نحن الشباب الذين اعتقدنا أننا ننذر أعمارنا لخلاص هذا الوطن، نظن أننا نقاتل من أجل نساءٍ مثل أم كريم، من أجل أن نُخلّصهنّ من الجوع والقهر والحرمان والخوف الذي أحاط بحياتهن أطول مما ينبغي لإنسان أن يحتمله.
غادرنا البيت الطيني، والدخان الخفيف يتصاعد فوق سطح الماء وحول البيوت والأكواخ، بدا لنا كأنه روح المكان تودّعنا، لكن الدخان كان وسيلة الناس لمواجهة “الحَرْمَس” الذي يهاجم الجميع حتى الحيوانات، طوال الليل.
لم أرَ “أم كريم” مرةً أخرى، لكن ملامحها ظلّت حاضرة في ذاكرتي كلما كتبت تقريراً عن معاناة الجنوب الغني بالثروات والمثقل بالفقر والظلم، كأنها صورة تختصر وجع الناس جميعاً. مرّت بعد تلك الليلة سنواتٌ ثقيلة من ترقّبٍ وانتظار، ومعارك متفرقة وحصارٍ خانق، وكنا نرى في كل خبرٍ عن تصدّع النظام بارقة أملٍ تتجدّد ثم تخبو.
وحين سقط صدام أخيراً في عام 2003، ظننتُ، كما ظن كثيرون غيري، أن زمن بيوت الصفيح والطين في الجنوب، والليالي المحفوفة بالخوف، وزمن النهارات الممزوجة بالجوع والفاقة قد ولّى إلى غير رجعة، وأن أم كريم وأمثالها سيشهدن أخيراً وطناً يكافئ صبرهنّ بعد حقبة من الوجع الرهيب.
لكن الوطن، كما تعلّمتُ لاحقاً، لا يتغيّر بزوال من يحكمه بالسرعة التي يتغيّر بها أثاث مكاتب المسؤولين فيه! وفي حزيران 2008، وأنا في كربلاء، اتصل بي أحد الزملاء طالباً حضوري على عجل لتغطية “أمرٍ مهم”، دون أن يفصح لي عن طبيعته.
ذهبتُ مسرعاً إلى حيث دعاني، عند مدخل كربلاء من جهة النجف، فوجدت سيارة شرطة على جانب الطريق، ورجالاً مدنيين يبدو عليهم الذهول وقد جُمعوا كمعتقلين، وبيتاً من البلوك والصفيح أصبح ركاماً تحت جرّافةٍ ثقيلة ما زال محركها يهدر، وامرأة تبكي بصوتٍ عالٍ، وأغطية وأفرشة وأوانيَ مبعثرة. حرارة الجو في تلك الظهيرة لا تُحتمل، مما زاد المشهد فظاعةً على فظاعته.
وقفتُ حائراً، لا أدري كيف أبدأ، ولا مع مَن أتحدّث لأُنجز عملاً صحفياً أنقل به المأساة. آه، كم أنهكتني هذه الصنعة البائسة، وقلبي مثخنٌ بجراح ما رأيتُ من ظلمٍ في حياتي!
وسط حيرتي، لفتت نظري فتاةٌ في الثالثة عشرة من عمرها، ترتدي ثوبًا مدرسيًا باهتًا، تبكي بحرقة وهي تحتضن كتابًا مغبّرًا انتشلته من تحت الركام. دنوتُ منها، فقالت منتحبة “عمّو، عندي امتحان البكالوريا، فكيف سأمتحن وأنا تلميذة في الصف السادس الابتدائي؟” لم يشغلها ما هي فيه عن التفكير في مصيرها الدراسي، وقد هُدم البيت الذي كان يؤويها، ودُفنت معه دفاترها وأحلامها الصغيرة.
هناك، ما زالت المرأة تبكي بصوتٍ عالٍ، تدعو بالويل والثبور، وتصرخ باسم رجلٍ أعرفه، كما يعرفه غيري، معارض لصدام، شغل بعد 2003 مناصب مهمة في الدولة، كانت تقول: “يا حيف(… )كنا نستقبلكم في بيوتنا أيام الجهاد، والآن تكافئوننا بتهديم منازلنا!”
اقتربتُ منها لأهدّئها، وأسجّل ردود فعلها لصالح تقريري، وإذا بي أقف أمام أم كريم نفسها. لكنها بدت أكبر بعشرين عاماً مما في ذاكرتي، لكنها هي!
تلك المرأة التي اضطرّت، بعد أن جفّت الأهوار وتكاثرت المضايقات على أهلها في الجنوب، أن ترحل إلى كربلاء وتسكن وأسرتها في أرضٍ خالية عند أطراف المدينة، حتى جاءت (جهةٌ) أرادت أن تُقيم مشروعاً على تلك البقعة ذاتها، فهدمت بيتها بحجة أنه “تجاوز”، دون أن تُعوّضها، أو تمنحها مهلةً لترتيب شؤونها أو جمع ما تبقّى من أشيائها.
وقفتُ في تلك اللحظة بين امرأتين لا تفصل بينهما إلا سنوات، أم كريم التي فتحت لي بابها في أحلك ليالي الخوف من نظامٍ ظالم، وأم كريم التي أُغلق بابها اليوم بجرّافةٍ باسم دولةٍ يُفترض أنها بديل ذلك الظلم.
كأن الوطن يستبدل جلاديه دون أن يتغيّر مصير الفقراء من أبنائه؛ النساء اللواتي لا تُروى قصصهن إلا بالصراخ والاعتقال، والشباب الذين اختفوا في دروب تحرير الوطن، والهجرة.
جلستُ من هول المفارقة على حافة الجدار المهدّم، أُقلّب في ذهني سؤالاً لا أملك جوابه” كم من أم كريم في هذا الوطن، فتحت باب بيتها لثائرٍ ملهوف، ثم أُغلق بابها هي، بعد سنوات، بيد من كان ثائرا بالأمس؟” وهل يكفي أن نكتب عن الظلم لنُنصف المظلومين، أم أن الكتابة نفسها، في لحظاتٍ كهذه، تبدو عاجزة، وأشبه بمرثيةٍ نرددها بعد فوات الأوان؟
لم أجد يومها جوابًا يليق بألم ما رأيت، ولا أظنني سأجده يومًا. لكنني أدركت، وأنا أراقب أم كريم تبكي على أنقاض بيتها، أن هذا الوطن موبوء بالظلم، وأن أخطر ما يمكن أن يفعله وطنٌ بأبنائه أنه ينسى وجوههم، لأن النسيان هو الهزيمة الكبيرة التي لا تُصلحها ثورة ولا يُرممها بناء!
