د. طالب الشوكة ||
رغم أنني لا أحبذ الكتابة في الشأن المحلي لأسباب أحتفظ بها لنفسي، ولأنني عاطل عن العمل منذ أكثر من عام في الوسط الإعلامي، بعد أن دخلت بالعمرين كحصان سباق انتهت خدماته، فإن مكوثي المستمر بعيداً عن صخب العمل الإعلامي جعلني أكتشف الكثير من الحقائق التي لم أكن أراها من قبل. ربما كانت الانشغالات المهنية، وكثرة الحركة، والابتعاد عن تفاصيل الشارع، تجعل الإنسان يرى المشهد من زاوية مختلفة.
أما اليوم، فأجد أن قلمي يجب أن يكون مرآة تعكس واقع هذا الشارع الذي أنا جزء منه. ولعل البداية تكون من اتساع الفجوة بين الخطاب الحكومي الرسمي والواقع اليومي للشارع العراقي؛ واقع يضج بضغوط اقتصادية ونفسية ومتطلبات معيشية لا تنتهي، تجعل المواطن يدور في حلقة معيشية مفرغة، وينطبق عليه المثل العراقي:
يحمل ذهب وياكل عاكول. وإذا كان هذا الواقع يعزى أساساً إلى الفساد المالي والإداري الذي استشرى بعد تغيير عام 2003، فإن العودة بالذاكرة إلى عقود حكم البعث تضعنا أمام كابوس آخر؛ كابوس الخوف والرعب، حين كان المواطن يخشى حتى الحديث داخل بيته تحت شعار: الحايط له آذان. كما كان للحرب العراقية الإيرانية ثمنها الثقيل على الاقتصاد العراقي، وما رافقها من تراجع في قيمة العملة وتآكل القدرة الشرائية للمواطن.
ثم جاءت حرب الخليج الثانية والحصار الذي امتد لسنوات، ليضع الإنسان العراقي في متاهات اقتصادية ومعيشية ليس لها أول ولا آخر، إلى جانب حكم الحديد والنار. لكن، ورغم كل تلك التحديات، شهدت السنوات الأخيرة انفراجات وتحسناً ملموساً على عدد من الأصعدة، تجسد في حركة عمرانية نشطة، واتساع الأسواق، والزيادة الكبيرة في أعداد السيارات التي تجاوزت السبعة ملايين.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل انعكس هذا الانتعاش فعلاً على قدرة المواطن على العيش بكرامة وراحة..؟ فالانتعاش الاقتصادي الظاهر سرعان ما يصطدم بالهزات الإقليمية؛ إذ إن التوترات العسكرية وإغلاق المنافذ الحيوية، كمضيق هرمز، يمكن أن تتحول سريعاً إلى اختناق اقتصادي جديد، تلقي آثاره بظلال ثقيلة على القوت اليومي للمواطن. وتواجه الحكومة التزامات مالية ضخمة تصل إلى نحو 7.7 تريليون دينار شهرياً لتأمين الرواتب والأجور. ويبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام أزمة سيولة فعلية؟ أم تأخر في التدفقات النقدية؟ أم ضغط على تمويل النفقات نتيجة الاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية ..؟
أياً كان التوصيف الاقتصادي، فإن المواطن لا يعنيه كثيراً اسم الأزمة ولا المصطلح الذي يطلق عليها؛ ما يعنيه هو راتبه، وقوت أطفاله، وقدرته على دفع فاتورة الكهرباء والماء والغذاء. المواطن العراقي دفع ثمن الأزمات السياسية والاقتصادية المتعاقبة، بينما تتحدث الحكومات عن التحسن والنمو، وما زالت كلفة الحياة اليومية تلتهم الجزء الأكبر من دخله.
ارتفاع أسعار المواد الأساسية، والاحتكار، واستغلال حاجة المواطن، واستمرار الفارق بين سعر الصرف الرسمي والموازي، وتأثر السوق بتكاليف الاستيراد، كلها عوامل تضغط على الأسرة العراقية. خذوا مثالاً بسيطاً: طبقة البيض في الصيف تباع بنحو سبعة آلاف دينار، والمفرد بنحو 7,500 دينار.
السؤال هنا ليس عن سعرها اليوم، وإنما في الشتاء المقبل بكم ستكون؟ أما أزمة المولدات الأهلية، فهي حكاية أخرى من حكايات المواطن العراقي. فهي نموذج واضح لضعف آليات إنفاذ القانون والرقابة المحلية. فعلى الرغم من دعم الدولة لوقود الكاز وتحديد أسعار رسمية للأمبير، يستطيع بعض أصحاب المولدات تفريغ القرارات من مضمونها، مستغلين نقص التجهيز الحكومي للطاقة وزيادة الطلب. السعر الرسمي لشهر آب هو 13 ألف دينار، بينما يفرض بعضهم 15 ألفاً وربما أكثر، بحجة عدم توفر الكاز المدعوم. ويأتي شهر أيلول بسعر رسمي يبلغ 15 ألف دينار…
وهنا نتساءل.؟ كم سيحدده السادة أصحاب المولدات، حفظهم الله ورعاهم، وأطال أعمارهم ووسع أرزاقهم دعماً للمواطن..؟ ومن المميزات الجميلة التي يتحلى بها بعض مولدات هؤلاء السادة الكرام، الجوزات الذكية التي لا تمنح المواطن خسلته أقل من جزء بسيط من الأمبير… وهذا، بالطبع، مصطلح فني جديد في الشارع العراقي. وهذه الجوزات تتراقص على وقع الإ طفاءات، فتفقد المواطن أعصابه، والمشترك لا حول له ولا قوة. وإذا اعترض، يأتيه الرد العراقي الشهير ميعجبك؟ ارفع جوزتك!
وبين قرار حكومي على الورق، ومولد أهلي في الزقاق، ومواطن يبحث عن ساعة كهرباء مستقرة، تضيع هيبة القرار وتبقى فاتورة المواطن ثابتة. ويعود عدم الالتزام بالقرارات إلى تشابك المصالح، والتغطية الناجمة عن نفوذ بعض الفئات، فضلاً عن أن العقوبات التي تفرضها وحدات الإدارة المحلية ليست دائماً زاجرة بالمستوى الذي يتناسب مع الأرباح المتحققة.
وهكذا يُستنزف جزء كبير من دخل الأسرة العراقية في شراء الخدمات الأساسية البديلة. مولدات، ماء، تعليم خاص، نقل، وغيرها. والنتيجة أن الطبقة المتوسطة تتجه تدريجياً نحو الأسفل، بينما يزداد العبء على أصحاب الدخل المحدود، ويصبح الراتب الذي كان يكفي الأسرة في سنوات سابقة عاجزاً عن مواكبة أبسط متطلبات الحياة. المشكلة، في النهاية، ليست فقط في ارتفاع الأسعار، ولا في الكهرباء، ولا في المولدات، ولا في سعر الصرف وحده. المشكلة أن المواطن أصبح يعيش بين خطاب رسمي يتحدث عن التحسن، وواقع يومي يتحدث بلغة أخرى تماماً. هو لا يريد أرقاماً جميلة ولا مؤشرات نمو فقط؛ يريد أن يشعر أن هذا النمو وصل إلى جيبه، وأن الخدمات التي يدفع ثمنها لا تتحول إلى باب آخر لاستنزاف دخله. فالمواطن العراقي تعب من الأزمات، وتعب من الوعود، وتعب من أن يدفع ثمن أخطاء لم يرتكبها.
والحبل على الجرار…
والله يكون بعونك يا مواطن.
