محمد شريف أبو ميسم ||
بدا وزير الخزانة الأميركي “سكوت بيسنت” متحمسًا وهو يعلن عما أسماه عملية “المنبوذ الاقتصادي” التي تستهدف تضييق الحصار الاقتصادي على إيران، ووصف “بيسنت” هذه العملية “بذات الروح التي تم بها إنزال النورماندي خلال الحرب العالمية الثانية”، وهو يهدد كل الدول التي تتعاون مع طهران قائلًا إن أي دولة تعمل بمثابة “شريان مالي” لإيران، يجب أن تتوقع مواجهة عواقب العزلة، وزعم “بيسنت” أنه “سيتم شن أكبر هجوم مالي في التاريخ ضد إيران”. ثم تابع بنبرة تبدو حادة، “أن على قادة العالم أن يختاروا بين أمريكا أو العزلة مع إيران”.
وتكشف هذه التصريحات المتشنجة عن أمرين مهمين لا لبس فيهما، يتمثل الأول في انحدار الخطاب الفوقي الذي عرفت به إدارة ترامب إلى مرحلة التهديد، وكأنها تقدم لنا اعترافًا صريحًا بالعجز وبعدم القدرة على تحقيق أهداف الحرب، وهي تنزلق ومعها الاقتصاد العالمي إلى مستنقع مضيق هرمز الذي أوجد معادلة اشتباك جديدة مفادها “نفط إيران يساوي نفط العرب”، في وقت تعاني فيه واشنطن ديونًا تتجاوز 40 ترليون دولار بالتساوق مع ارتفاع فاتورة الحرب.
ويكشف الأمر الثاني عن قناعة الإدارة الأمريكية بحقيقة فقدان ثقة الرأي العام العالمي بتصريحات الرئيس التي تكررت، وتعددت، وتنوعت، وتناثرت دون مصداقية، وما كان لهذا التهديد أن يكون على لسان ذلك الرئيس، ليعلن عنه وزير الخزانة بأسلوب يُراد له أن ينسحب إلى أكبر مساحة ممكنة من التأثير الاقتصادي، إذ لا سبيل، وعلى ما يبدو، لتغيير النظام إلا على يد الشعب الإيراني، ولا سبيل لزيادة نقمة هذا الشعب على نظامه السياسي سوى قطع الشرايين المالية والاقتصادية والخدمية والإنسانية عنه، ليكون الأداة المباشرة بيد أصحاب المشروع الصهيوأمريكي تحت الضغط الإعلامي ومواصلة الدعم للجماعات الانفصالية والمسلحة. ما جعل الإعلان عن مثل هكذا عملية بأسلوب التهديد والوعيد للقريب والبعيد، وربما بالعزل والتضييق والتآمر والعدوان، على لسان وزير “مثلي الجنس”، لم يكن مقنعًا في طريقة العرض ولغة الجسد، وهو يؤسس لأسلوب ضغط على المواطن الإيراني ومحاولة عزله عن النظام السياسي.
ولسنا بصدد التقليل من جدية خطوات عملية “المنبوذ الاقتصادي”، إلا أن اختيار وزير الخزانة للإعلان عنها، بوصفه القائم على النظام المالي، لم يكن موفقًا، فعلى الرغم من قساوة الحصار بعد 47 عامًا، وانعكاساته على الأوضاع المعيشية، إلا أن التشديد عليه من قبل وزير “مثلي الجنس” لن يترك عند شعب غالبيته العظمى من المسلمين إلا مزيدًا من التلاحم مع النظام السياسي، في خضم عدوان متكرر وأدوات استعلاء وتجاوزات، في وقت كشفت فيه المعطيات عن تكامل اقتصادي استثنائي في إيران، قائم على العمق الجغرافي وتنوع التضاريس الممتدة بين المساحات المترامية لتمنح خطط الاكتفاء الذاتي والأمن الغذائي وتعظيم الندرة مزيدًا من النجاحات.
ومن جانب آخر، فإن لإيران حدودًا برية واسعة، ولها إطلالة على بحر قزوين تمنحها منفذًا شماليًا آمنًا للاتصال بروسيا ودول آسيا الوسطى بعيدًا عن الرقابة البحرية الأمريكية، ولها عمق استراتيجي في التكتلات الاقتصادية، ومنها مجموعة بريكس ومنظمة شانغهاي للتعاون، ما يمنحها شبكة أمان سياسية واقتصادية مع قوى كبرى مناهضة للهيمنة الأمريكية، علاوة على أن الصين “وهي المشتري الأكبر للنفط الإيراني بأسعار مخفضة”، وروسيا “التي تتعاون مع إيران في مجالات الطاقة والنقل وإنشاء المسارات التجارية عبر بحر قزوين لتجاوز العقوبات”، ما زالتا من أبرز الدول التي يرتبط ميزان قوتهما بوجود نظام سياسي في إيران لا يسمح بتوظيف الأجواء والأراضي الإيرانية لصالح الولايات المتحدة، وإذا سلمنا جدلًا باستسلام دول الجوار الإيراني للأوامر الأمريكية، فمن ذا الذي يسيطر على عمليات التبادل البري بين تلك الدول وإيران، التي استطاعت مؤخرًا أن ترفع صادراتها من النفط عبر أسطول الظل إلى أكثر من مليون ونصف المليون برميل يوميًا.
