جاري تحميل ... مدونة المرجل

الاخبار

إعلان في أعلي التدوينة

 


سعيد البدري ||

لغوياً، وبين صفحات المعاجم والقواميس، تعني «الفتنة» في دلالتها التي تكشف عن حقيقتها: الاضطراب، وعدم وضوح الرؤية، والاختبار والابتلاء. لكنها اليوم، وفي السياسة العراقية، وتحديداً في موسم التراشق بالتهم، أُقتيدت هذه المفردة إلى مختبر التحريض، حتى تحولت من «اختبار للفهم» إلى «مفرمة للعقول»، ومن دلالة اللسان إلى مشنقة للبيان!

حين يتحدث شخص كالحاج هادي العامري عن «منع الفتنة»، يهرع هواة التأويل الإعلامي إلى ترجمة النص على النحو التالي:

«بما أنه منع الفوضى، فهو حتماً من أطلق النار!»

يا للعبقرية الجنائية!

كيف تحوّل الفعل الاستراتيجي الهادف إلى حماية هيكل الدولة من الانهيار الكامل، وصون السلم الأهلي من حريق كان يمكن أن يأكل الأخضر واليابس، إلى «اعتراف صريح بالجريمة»؟

هل أصبح منطق الإدانة اليوم يُبنى على طريقة:

«من أطفأ الحريق، فهو حتماً من جلب الوقود»؟

وشتان بين دور استراتيجي منع انزلاق البلاد إلى حرب أهلية لا تُبقي ولا تذر، بعد أن خاضت المقاومة أشرس معاركها ضد الإرهاب الداعشي، وبين مراهقة تحذلقية تقطع الكلمات من سياقها، لتصنع منها حبل غسيل تُعلَّق عليه المزايدات!

إذا كان المطلب هو العدالة لشهداء تشرين، فقد قال العامري، سابقاً ولاحقاً، إنه أول المطالبين بها. لكن هل تُقام العدالة بـ«التهريج والزعيق» أم بالدليل؟

ولدعاة الشبهة أقول: إذا أردتم الحقيقة، افتحوا الملف كاملاً، ولا تخشوا الحقيقة.

من قتل وسام العلياوي؟ ولأي غاية؟

ومن علّق طفلاً في ساحة الوثبة؟

من أحرق مباني الحكومة، ومن اعتدى على مقار الحشد الشعبي، ومن ضرب الشرطي وأدماه، وهو يحرس ممتلكات تعود للدولة؟

من قاد مجموعات المراهقين، ودفعهم نحو الصدام، وقادهم إلى غلق المدارس، ومن رفع شعاراً وطنياً ليمارس دور السلطوي في منع الدوام؟

ومن هو «الطرف المستفيد» الذي تحوّل، بقدرة قادر، من محرّك لمشروع فوضى كامل إلى مجرد شخصية وهمية، ليُغطّى على جريمته؟

إن الفتنة، التي هي أشد من القتل، لا تحتاج إلى رصاصة حتى تبدأ. قد تبدأ بدعوة إلى التجمهر تنطلق من حسابات وهمية، ضمن هندسة مدروسة لإحداث الانهيار، وقد تتسع حين تُفتح منظمات لها مقار في الداخل والخارج، وتبدأ بتعبئة الشباب ودفعهم نحو المواجهة.

الفتنة قد تبدأ بتدوينة، وتكبر بخطاب على قناة، ثم تتحول إلى رواية مغرضة تصادر مشاعر الثكالى ودماء الشهداء، وفي الوقت ذاته قد تشير إلى خصوم غير حقيقيين، أو تصنع خصماً وهمياً لتُحمّله مسؤولية كل شيء.

لهذا، فالكرة اليوم ليست في ملعب السجال الإعلامي، بل في ملعب الوعي والحقيقة.

أما محاولة تجريف الخطاب الوطني، وتحويل الحرص على الدولة إلى محضر إدانة، فهذه ليست عدالة تُنشد وتُطلب، بل قد تكون «فتنة أخرى» تتحول إلى فوضى يمارسها هواة الألاعيب، والمتباكون على الدم العراقي تحت شعارات الثأر لدم الشهداء.

فالعدالة لا تُبنى على اجتزاء الكلمات، ولا على صناعة الشبهات، ولا على تحويل المواقف السياسية إلى اعترافات جنائية.

العدالة تحتاج إلى ملف كامل، وسياق كامل، وأدلة كاملة.

أما أن تتحول الكلمة إلى تهمة، والتحذير من الفتنة إلى اعتراف، والحرص على الدولة إلى دليل إدانة، فهنا لا نكون أمام بحث عن الحقيقة، بل أمام فتنة جديدة تُصنع بالكلمات قبل أن تُشعلها الرصاصات..


التصنيفات:
تعديل المشاركة
Reactions:
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال