إيليا إمامي ||
القصة_السادسة: ألغاز العراق تبحث عن (حسچة).
خلال هذه السنة عندما شرفنا أحد الأفاضل الأجلاء دام توفيقه بالقراءة في مدينة الناصرية.. وبدأت بعض المقاطع من محاضراته تنتشر على مواقع التواصل.. وكنت في اليوم الخامس أو السادس من محرم في خدمة جمع من المؤمنين.. وسُئلت عن بعض مقولات الشيخ حفظه الله.. التي أثارت الجدل بين الشباب.. وعرضوا علي بعض المنشورات التي أساءت للأسف لسماحته.. وتلك التي دافعت عنه.
فقلت لهم: إن ساحة العراق ساحة معقدة.. حتى الحسين عليه السلام لما أراد أن يرسل عنه رسولاً إلى العراق.. أوضح لهم أنه اختار بعناية.. فكتب إليهم يصف مسلم بن عقيل عليه السلام: (وَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ أَخي وَابْنَ عَمّي وَثِقَتي مِنْ أَهْلِ بَيْتي مُسْلِمَ بْنَ عَقيلِ بْنِ أبي طالب).
هذه الساحة.. وأن كانت قد تبدلت اجتماعياً وعقدياً منذ ذلك الزمن .. لكنها حافظت على صفة التعقيد في تركيبها.. وتضع أي مقتحم لها أمام ضرورة دراستها بشكل جيد قبل أن يسترسل في الكلام.. على حسن نيته وطيبته وشعوره بالمسؤولية.. فيرهق هذه الساحة وترهقه.
قالوا أوضح أكثر.. فقلت:
دعوني أوضح بقصة طريفة من موروثنا الريفي القديم.. في طفولتي كان أهلنا في المضايف يحكون لنا حكاية رجل كريم صاحب مضيف.. ومعروف بالجود بين الناس.. لكن يدور حوله لغزٌ واحدٌ لم يستطع أحد تفسيره.. وهو أنه كلما أكرم ضيفاً وبالغ في إكرامه.. كان بعدها.. إذا أراد الضيف المغادرة وخرج من حدود مضيفه وربعته (ساحة المضيف).. يركض صاحب المضيف خلفه ويضربه بعمود (توثية) ويبقى يلاحقه بها حتى يبتعد عن المضيف هارباً.
تكررت الحالة لمرات عديدة.. وكل الضيوف يقولون أنهم لم يصدر منهم ما يوجب هذا الضرب.. ولم يكن أحد يستطيع تفسير هذا الفعل.. والجمع بينه وبين الكرم الواضح لصاحب المضيف!!
وفي يوم.. قال رجل من أهل (الحسچة): أنا أراهنكم على أني أذهب وأكون ضيفه وأخرج دون أن يلاحقني ولا يضربني.
فوافقوا.. وعلى هذا تراهن القوم.
فدخل الرجل.. واستقبله صاحب المضيف خير استقبال وبالغ في إكرامه.. ثم لما حان وقت مغادرته.. ودّعه خير توديع.. وكان القوم يراقبون من بعيد.. وينتظرون متى يخرج عليهم صاحبهم (مفشخ).. لكن صاحب المضيف لم يضربه ولم يلاحقه.. وتركه باحترام.
فاستقبلوه وسألوه عن السبب ؟! فقال: هذا رجل يفتخر بكرمه.. ويعتز بضيافته.. ولكن الضيوف لا يتركونه يعيش هذا الاعتزاز.. بل يؤذونه (ما يفوتون حاله).. وكأنهم يقولون: لا أنت أهل للكرم.. ولا نحن أهل للإكرام!!
يفرش لهم فراشاً جديداً: زاحمناك وتعبناك..
يمد لهم سفرة الطعام: ليش تسوي وليش تطبخ ..
يضع الذبيحة أمامهم: أذيناك وخسرناك..
يصب الماء على يديهم بعد الأكل: ما تگدر انطينا الابريج..
يغادرون من عنده: اليوم خسرناك وتعبنا أم العيال وعطلناك ووو
حتى ينفجر ويهجم عليهم.. ولسان حاله: إذا كنتم ترون في مضيفي مكاناً للعطف وللشفقة منكم.. وتعتقدون أني أمر بمحنة وخسارة بوجودكم.. فلماذا تأتون؟!
أما أنا فلما نزلت ضيفاً عنده.. لم أتكلم بعفوية .. وكنت ما بين ساكت مراقب.. أو مشجع.. ولا أكرر سوى كلمة (والنعم أبو فلان).. فوجد مني تقديراً لكرمه.. واعظاماً لشأنه.. وسعادة بالنزول عنده.. فسره ذلك وأسعده.
وشاهدنا يا إخوتي.. ساحة العراق معقدة وانفعالية.. وليس كل أحد يستطيع المشي فيها بسلام.. حتى الفاضل المحترم قد يُضرب فيها ولا يعرف لماذا ضربوه؟!
أحياناً ينفعها السكوت.. لأن اصطكاك الاتجاهات وتضاربها فيها.. لا يتحمل إلا السكوت والتهدئة.. ومن يجرب الحديث بانفعال (بدعوى أنا أعرف تكليفي) سرعان ما يصطدم بردود فعل لم يكن يتوقعها.. تخرجه عن المقصد الأصلي النبيل الذي أراده.. وتجعله يندم على توسيع الخرق بدل رتقه.
وأحياناً ينفع الساحة الحديث المجمل وتجنب الدخول في التفاصيل.. وأحياناً تدعيم ثقة الناس بأنفسهم وانتظار مآلات الأحداث.
وبهذه الطريقة لن يكون المتكلم جدلياً.. ولن يصبح شخصه مداراً للنزاعات التي تطفئ بريقه وتأثيره.. فلا نراه في الليلة الظلماء.. حين نحتاجه لشد قلوب الشيعة في وقت الشدائد.
ولذلك أقول بصدق المحب.. إذا اختار سماحة الشيخ (وآخرون يعاكسونه في الطرح) التوغل في تفاصيل الخطط والمؤامرات الجدلية.. وإشعار الناس بأنها لا تفهم ما يُراد لها حتى يفهمهم هو المخطط.. ويشرح لهم مصيرهم بلغة التخويف.. وأننا مقبلون على مخطط جهنمي.. وأن العالم كله سيبتلعنا.. ثم يعلمهم واجبهم بطريقة وكأنه يشفق عليهم.. ويصر على تلقينهم ما لا يريدونه..
ثم ينسى تشجيعهم وتذكيرهم بجودهم وكرمهم بالدماء والعطاء وكل مكرمة بذلها العراقيون ..
فهذا لا ينفع في العراق.. وسرعان ما تجد العراقيين يتضايقون من أي شخص يتبنى هكذا طريقة.. وينفرون منه!! و(يفشخونه) حتى لو كان فاضلاً محترماً مثل سماحة الشيخ (وآخرين) دامت بركاتهم.
وأنا لا أعني تخطئة هؤلاء الأفاضل (رغم اختلافي كطالب متواضع مع جملة مما قيل .. بعضه مضموناً.. وبعضه توقيتاً).. ولا أقول أن المؤامرات لا وجود لها مطلقاً..
لكن كلامي منصب فقط على طبيعة أهلي ومجتمعي.. وتفسير لماذا سارع شطر كبير منهم لإظهار امتعاضهم وانزعاجهم من هذا النمط من الكلام.. حتى اضطر الشطر الآخر للدفاع عنه.. رغم أن هذه المرة الأولى -حسب علمي- التي ينعقد له مجلس موسمي في العراق.
يتبع في القصص الخمس المتبقية.
