د. أمل الأسدي ||
غريبةٌ هي النفسُ البشريّةُ، وغريبةٌ العوالمُ التي تتحرّكُ فيها! وقد لا يخطرُ على بالِنا أن نسألَ أنفسَنا: لماذا نتوجّهُ إلى هذه الوجهةِ؟ ولماذا نختارُ هذا المكانَ؟ وأحيانا تحدثُ أشياءُ خارج إرادتِنا، ثم نكتشفُ بعد حينٍ أن وراءَها حكايةً لم نكنْ نعرفُ عنها شيئا.
سأحكي لكم عن حدثٍ وقعَ معنا، إذ ساقتنا الأقدارُ في يومٍ من الأيامِ إلى مدينةِ “رشت”
أنا عادةً حين أذهبُ إلى إيرانَ أختارُ مدينةَ الإمامِ الرضا، لما أشعرُ به فيها من حميميّةٍ ومدٍّ روحيٍّ. وربّما كان هذا الشعورُ خاصا بنا نحن ـ العراقيين ـ فقد نشأنا في بيئةٍ تحيطُ بها مراقدُ الأئمّةِ والأولياءِ، حتى صارَ هذا القربُ الروحيُّ جزءا من تكوينِنا.
لكنّ الأقدارَ هذه المرّةَ ساقتنا إلى رشت، واضطربتِ الأمورُ منذ البدايةِ؛ ضاعَ حجزُ الفندقِ، وسكنّا في مكانٍ بعيدٍ عن مركزِ المدينةِ، معزولٍ تقريبا، والإنترنتُ غيرُ متوافرٍ، فدخلنا في حالةٍ من الضيقِ الشديدِ.
طلبنا من السائقِ أن يقلَّنا إلى ميدانِ شهرداري؛ لنبحثَ عن سكنٍ ونرتّبَ أمرَ عودتِنا.
وصلنا، وكانت أغلبُ المحلاتِ مغلقةً، وفجأةً قالت ابنتي: “ماما، هناك محلُّ أحجارٍ كريمةٍ، وأنت تحبّين الأحجارَ” كنتُ منزعجةً جدا، ولا طاقةَ لي على مشاهدةِ الأحجارِ ولا غيرِها، لكنّنا دخلنا،
ورحّبتْ بنا صاحبةُ المحلِّ، وما إن تحدّثتْ حتى فوجئنا بها تكلّمُنا باللهجةِ العراقيّةِ! كانت مفاجأةً سارّةً جدا، وكأنّ شيئا تبدّلَ في داخلِنا.
قامَ ابنُها بحجزِ التذاكرِ لنا، ثم دعتنا إلى تناولِ العشاءِ في منزلِها القريبِ… جلسنا مع العائلةِ جلسةً لطيفة، نتجاذبُ أطرافَ الحديثِ عن العراقِ، وعن مدّةِ سكنِهم فيه، وعن أشياءَ كثيرةٍ.
وأثناءَ الحديثِ، ومن بينِ تفاصيلِ تلك الجلسةِ العائليّةِ، اتّضحَ لنا أنّ زوجَها صهرُ الشهيدِ الشيخِ مهدي العطّارِ!
اختنقتُ بعبرتي في تلك اللحظةِ، وإذا بالمكانِ يمتلئُ بذكرِ الشهيدِ، ونمتلئُ نحن بمعنى التواصلِ؛ ذلك الحضورُ العجيبُ الذي لا تصنعُه المسافاتُ ولا يمنعُه اختلافُ العوالمِ.
قلتُ في نفسي: إذن روحُ الشيخِ العطّارِ هي التي استقبلتنا!
كنتُ قد كتبتُ عنه سابقا، وتأثّرتُ كثيرا بالشهاداتِ التي وصلتني من أناسٍ خدمهم واستضافهم وقدّمَ لهم المعونةَ، حتى فكّرتُ يوما أن أجمعَ تلك الشهاداتِ في عملٍ خاصٍّ عنه.
ولهذا لم أستوعبْ كيف ساقتنا الأقدارُ إلى رشت، ثم إلى هذا المكانِ بالذاتِ، وكيف دخلنا هذا المحلَّ من دونِ غيرِه، ثم انتقلنا إلى بيتِ هذه العائلةِ، حتى ينكشفَ لنا في النهايةِ هذا الخيطُ كلُّه.
عندها شعرتُ أنّ هناك نوعا من التواصلِ لا نفهمُه نحن..
نعيشُ مع أناسٍ في العالمِ نفسِه، نذهبُ معهم، ونجلسُ، ونتحدّثُ إليهم، وربّما لا يتحقّقُ بيننا التواصلُ كما ينبغي، بينما الشهيدُ الشيخ مهدي العطّار تواصلَ معنا على الرغمِ من اختلافِ العوالمِ!
وعرفتُ هنا أيضا قيمةَ الكلمةِ، وأنّ الكلمةَ رسالةٌ، وأنا دائما أقولُ: الكلماتُ طيورٌ لها أجنحةٌ، تحلّقُ إلى ما شاءَ اللهُ، وتصلُ إلى حيثُ كتبَ اللهُ لها أن تصلَ.
ربّما كانت كلماتي عن الشيخِ مهدي العطّارِ قد سبقتني إلى رشت، وربّما حين كتبتُ عنه كنتُ أطرقُ بابا لم أكنْ أعرفُ أنّه سيفتحُ لي يوما.
وهكذا وجدنا أنفسَنا، من حيثُ لا نخطّطُ ولا نريدُ، في ضيافةِ الشهيدِ الشيخ مهدي العطّارِ.
