جاري تحميل ... مدونة المرجل

الاخبار

إعلان في أعلي التدوينة

الصفحة الرئيسية غير مصنف المحاصصة السياسية وأثرها في إضعاف الدولة (3)..!

المحاصصة السياسية وأثرها في إضعاف الدولة (3)..!

حجم الخط

 


علي الحاج || 


ليست أزمة الدولة العراقية في نقص الموارد أو غياب الكفاءات وحدهما، بل في طبيعة العلاقة التي نشأت بين السلطة والأحزاب، حين تحولت مؤسسات يفترض أن تعمل لخدمة المواطنين إلى مساحات لتوزيع النفوذ السياسي، وأصبح الانتماء الحزبي في كثير من الأحيان أكثر تأثيراً من الكفاءة المهنية، الأمر الذي أضعف قدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية، وفتح المجال أمام الفساد وتعطيل الإصلاح.

في فكر الشيخ الأمين قيس الخزعلي، لا يمكن فصل الإصلاح الإداري عن إصلاح البنية السياسية التي تنتج الحكومات وتحدد آليات عملها، فالمشكلة لا تتعلق بالضرورة بشخص الوزير أو المسؤول، وإنما بالمنظومة التي تتحكم في اختياره وتحدد حدود استقلاله، ولذلك فإن تغيير الوجوه، مع بقاء القواعد نفسها، قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة بأسماء مختلفة، وقد عبّر الشيخ عن هذا التشخيص في لقائه مع قناة السومرية بتاريخ 19 آب 2016، عندما قال: “النظام البرلماني بعد اثنتي عشرة سنة من الحكم لم ينتج إلا ترسيخاً للطائفية، وأن تكون الحكومة ضعيفة سياسياً”، وربط بين المحاصصة السياسية واتساع الفساد في مؤسسات الدولة.

ولا تعني هذه القراءة بالضرورة أن النظام البرلماني عاجز بطبيعته عن إنتاج حكم ناجح، وإنما تشير إلى أن التجربة العراقية، كما يراها الشيخ، تأثرت بتركيبة سياسية جعلت التوافق بين القوى المتنافسة يتقدم أحياناً على مقتضيات الإدارة الرشيدة والمصلحة العامة، وتبرز خطورة المحاصصة عندما تتحول الوزارات من مؤسسات وطنية إلى امتدادات تنظيمية للأحزاب، فيصبح المسؤول محكوماً بالتوازنات التي أوصلته إلى موقعه، بدلاً من أن يكون مسؤولاً أمام القانون والمواطنين عن نتائج عمله، وهنا يتراجع معيار الإنجاز، وتتداخل المصالح العامة والخاصة، وتضعف الرقابة والمساءلة.

وفي كلمته أمام الجالية العراقية في طهران بتاريخ 27 تموز 2015، قدم الشيخ توصيفاً شديد الوضوح لهذه الظاهرة بقوله: “هذه ليست موازنة دولة، وإنما هي موازنة أحزاب”، منتقداً طريقة توزيع الموارد في وقت كانت البلاد تواجه فيه تحديات أمنية واقتصادية كبيرة، وتكشف هذه العبارة عن جانب آخر من الأزمة، فالمحاصصة لا تقف عند حدود توزيع المناصب، بل يمكن أن تمتد إلى توجيه الإنفاق العام وتحديد الأولويات، فتتراجع احتياجات المجتمع أمام متطلبات التوازنات السياسية، وتفقد الموازنة جانباً من وظيفتها بوصفها أداة لتحقيق التنمية والعدالة وتوفير الخدمات، ومن هنا، فإن الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى إعادة الاعتبار لمفهوم المؤسسة، بحيث تكون الوزارة للدولة لا للحزب، وتكون الوظيفة العامة مسؤولية لا امتيازاً، ويصبح معيار اختيار المسؤول قدرته على الإدارة والإنجاز، لا حجم الجهة السياسية التي تقف خلفه.

وقد حذر الإمام علي بن ابي طالب (عليه السلام) في عهده إلى مالك الأشتر من إسناد المسؤوليات على أساس المحاباة، فقال: “ثم انظر في أمور عمالك فاستعملهم اختباراً، ولا تولهم محاباة وأثرة”، وهو توجيه يضع الكفاءة والنزاهة والاختبار في أساس تولي المسؤولية، ويجعل العدالة الإدارية جزءاً من العدالة السياسية.

إن تجاوز المحاصصة لا يتحقق بمجرد رفع شعار الإصلاح أو استبدال مجموعة من المسؤولين بأخرى، بل يتطلب قواعد مؤسسية واضحة للاختيار والمحاسبة، وحماية القرار الإداري من التدخلات الحزبية، وإخضاع الجميع لمعايير واحدة، وبهذا المعنى، فإن بناء الدولة لا يبدأ بإلغاء التعددية السياسية، وإنما بمنع تحولها إلى تقاسم دائم لمؤسسات الدولة، فالأحزاب ضرورة في الحياة الديمقراطية، لكنها لا ينبغي أن تصبح بديلاً عن الدولة أو شريكاً في ملكية مؤسساتها.

وتبقى الخلاصة أن الإصلاح الذي لا يمس قواعد توزيع السلطة وإدارة الموارد سيظل معرضاً لإعادة إنتاج الاختلالات نفسها، أما الإصلاح الذي يعيد المؤسسة إلى وظيفتها الوطنية، فيمكن أن يفتح الطريق نحو دولة أكثر قدرة على خدمة مواطنيها وحماية مصالحهم.


التصنيفات:
تعديل المشاركة
Reactions:
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال