عباس سرحان ||
تشهد الساحة الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي بين الحين والآخر حملات منظمة تستهدف مسؤولين ووزراء في الدولة، تتجاوز حدود النقد المشروع إلى فضاءات التنمر الشخصي وخطابات الكراهية والتسقيط. وهذه الظاهرة، وإن بدت للوهلة الأولى ممارسة عفوية أو تعبيراً عن غضب شعبي، إلا أنها في كثير من الأحيان تكشف عن اصطفافات سياسية خفية تسعى إلى إضعاف مؤسسات الدولة والنيل من هيبتها عبر استهداف رموزها التنفيذية.
ولا شك أن النقد حق مشروع، بل إنه أحد أهم أدوات الرقابة الشعبية في النظم الديمقراطية، غير أن الفرق كبير بين النقد المسؤول وبين حملات التشهير التي تقوم على السخرية والإهانة وإثارة الأحقاد.
فحين يتحول الخطاب إلى حالة من الشتم والتجريح الشخصي، فإنه يعكس أزمة لدى أصحابه أكثر مما يعكس خللاً لدى المستهدفين به. ذلك أن خطاب الكراهية لا ينبع دائماً من عقدة شخصية أو مشكلة نفسية فحسب، بل قد يكون تعبيراً عن موقف سياسي مسبق يسعى إلى إسقاط الخصوم بكل الوسائل الممكنة.
وفي الحالتين، النفسية والسياسية، فإن النتيجة واحدة؛ تراجع في مستوى الأخلاق العامة وانحدار في لغة الحوار. فالسياسة لا تُبنى على الحقد ولا تُدار بالضغينة، كما أن الاختلاف السياسي لا يبرر التسقيط الشخصي أو التشفي بالآخرين. إن تحويل الخصومة السياسية إلى معركة أخلاقية مفتوحة يُفقد السياسة معناها الحقيقي ويحوّلها إلى عبث لا يخدم المجتمع ولا الدولة.
واللافت في الأمر أن النظام السياسي القائم اليوم، رغم ما يواجهه من تحديات وانتقادات، يمنح مساحة واسعة للتعبير عن الرأي، حتى لأولئك الذين يبالغون في الإساءة أو يتجاوزون الحدود المقبولة. وهذه المساحة الواسعة من الحرية تستحق التقدير، لأنها تعكس قدراً عالياً من الصبر وتحمل المسؤولية. فالوزير أو المسؤول الذي يتعرض للإساءة يستطيع، من الناحية القانونية، اللجوء إلى القضاء ومقاضاة المسيئين، لكنه في كثير من الأحيان يتجاوز عن ذلك احتراماً لمناخ الحريات السائد.
ومن المفيد أن يتذكر البعض الفارق الكبير بين واقع اليوم وبعض مراحل الماضي التي كان مجرد التلميح بالنقد فيها يجرّ صاحبه إلى العقاب القاسي. لقد عانى العراقيون زمناً كانت فيه الكلمة تُراقَب والنكتة السياسية تُلاحَق، أما اليوم فإن أصواتاً كثيرة تمارس أقصى درجات النقد دون خوف. وهذه الحقيقة وحدها تكشف حجم التحول الذي شهده العراق، وتؤكد أن الحفاظ على الحرية يجب أن يقترن دائماً بالمسؤولية والأخلاق واحترام الآخر، لا بتحويلها إلى وسيلة للهدم والكراهية والتسقيط.
