جاري تحميل ... مدونة المرجل

الاخبار

إعلان في أعلي التدوينة

 


رياض الفرطوسي ||

ليست الثروة بما تملكه الدول من نفط وغاز وأموال فحسب، بل بما تعرف كيف تحوّله إلى حياة أفضل لمواطنيها، وكيف تحفظ منه نصيباً للأجيال القادمة. فهولندا، التي عرفت طويلاً كيف تحمي أرضها من المياه، لم تتعامل مع السدود بوصفها منشآت عابرة، بل باعتبارها استثماراً في المستقبل. وفي النرويج، تحولت عائدات النفط إلى ثروة استثمارية طويلة الأمد. أما العراق، بما يملكه من إمكانات، فما زال أمامه تحدي تحويل موارده إلى دولة قادرة على حماية حاضر أبنائها ومستقبلهم.

في هذا السياق، جاء حديث رئيس الوزراء علي الزيدي تحت قبة البرلمان عن قرار رفع سعر صرف الدولار من 1320 إلى 1520 ديناراً، معلناً تحمّله مسؤولية القرار، وشارحاً الخيارات التي قال إنها كانت مطروحة أمامه، من اقتطاع جزء من رواتب الموظفين إلى تأخير صرفها أو اللجوء إلى مزيد من الاقتراض. وقد يختلف الناس في تقدير القرارات الاقتصادية، لكن من المهم أن يُناقش القرار في ضوء معطياته والبدائل المتاحة، لا أن يتحول كل تغيير إلى مناسبة للتهويل أو إطلاق الأحكام قبل فهم الصورة كاملة.

فالاقتصاد العراقي ليس منفصلاً عن العالم. في بريطانيا، ارتفع التضخم السنوي إلى 3.1% في آب 2026، وفق مكتب الإحصاءات الوطنية، مدفوعاً جزئياً بارتفاع تكاليف الوقود والنقل. كما شهد الجنيه الإسترليني تقلبات أمام الدولار خلال الأيام الأخيرة؛ إذ تراجع في الثامن من تشرين الأول، قبل أن يسجل ارتفاعاً طفيفاً في اليوم التالي مع انخفاض الدولار. هذه التحركات اليومية تذكّر بأن العملات لا تسير في اتجاه واحد، وأن أسعار السلع تتأثر بالطاقة وأسواق المال والتوترات الدولية والسياسات النقدية. ولا يعني ذلك أن الظروف البريطانية مطابقة للظروف العراقية، بل إن تقلبات الأسعار والعملات جزء من واقع اقتصادي عالمي تتفاعل فيه عوامل كثيرة.

لكن فهم حركة الاقتصاد لا يعني تجاهل آثارها الاجتماعية. فالمواطن محدود الدخل لا ينظر إلى سعر الصرف بوصفه رقماً في نشرة مالية، بل يراه في ثمن الخبز والدواء والنقل وحاجات أسرته اليومية. ومن الطبيعي أن تتأثر الفئات الأضعف بأي ارتفاع في الأسعار، ولهذا ينبغي أن تترافق السياسات الاقتصادية مع إجراءات تخفف أعباءها، وتحمي قدرتها على العيش الكريم. فنجاح الدولة لا يقاس فقط بقدرتها على إدارة الأرقام، بل أيضاً بقدرتها على إدارة آثار القرارات في حياة الناس.

هنا استعدت هوسة ثوار العشرين: (حَطّونِي بْحَلْگَهْ وْصِحِتْ: آنَه!)، ومعناها أن تضعني في فم المدفع، حيث يبلغ الخطر أقصاه، فلا أتراجع عن المواجهة. إنها صيحة عراقية تختصر الإقدام وقت الشدة، والتقدم لتحمل المسؤولية بدلاً من ترك الآخرين وحدهم في الميدان. وفي إعلان الزيدي مسؤوليته أمام البرلمان ما يستحضر هذا المعنى؛ فالمسؤولية العامة تقتضي أن يشرح صاحب القرار خياراته، وأن يواجه الأسئلة بثقة، وأن يمضي في تنفيذ ما يراه ضرورياً لمصلحة الدولة.

وتبدو هذه الصورة مختلفة عن زمن كان فيه الحاكم بعيداً عن أسئلة الناس، يكتفي بدخان السيكار، أو (الجرود) كما يسميه العراقيون، بينما تظل القرارات بعيدة عن المساءلة الحقيقية. أما الدولة التي نطمح إليها، فهي التي يصبح فيها الحوار مع البرلمان والرأي العام جزءاً من ممارسة الحكم، وتكون فيها المسؤولية موقفاً معلناً وسلوكاً مستمراً.

ومن هنا تبرز أهمية صندوق الأجيال. فالفكرة ليست مجرد الإعلان عن صندوق أو تخصيص الأموال له، بل بناء منظومة مؤسسية تحمي الثروة من الهدر، وتستثمرها على المدى البعيد، وتضمن أن تكون ملكاً للمجتمع لا رهينة لتقلب الحكومات والمصالح. والتجربة النرويجية تقدم درساً مهماً في هذا المجال: الثروة النفطية قد تنضب، لكن الإدارة الرشيدة تستطيع أن تحول عائداتها إلى أصول يستفيد منها الأبناء والأحفاد. وهذا ما يحتاج العراق إلى ترسيخه من خلال قوانين واضحة، ورقابة فعالة، وشفافية في إدارة المال العام.

وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن يشعر المواطن بأن الحديث عن المستقبل يأتي على حساب حاجاته في الحاضر. فالفلاح ينتظر مستحقاته، والمقاول ينتظر تسديد ما أنجزه، والشاب يبحث عن فرصة عمل، والعائلة في قرية بعيدة تحتاج إلى الماء والخدمات، والمواطن يريد راتباً يصل في موعده. وحين تتحول مشاريع السكن إلى بيوت، والوعود إلى خدمات، والثروة إلى فرص حقيقية، تصبح السياسات الاقتصادية مفهومة للناس من خلال نتائجها لا من خلال الخطابات وحدها.

أما الإعلام، فمسؤوليته أن يشرح المتغيرات الاقتصادية، ويضع القرارات في سياقها المحلي والدولي، ويراقب التنفيذ بمهنية، بعيداً عن التصفيق أو التهويل. فالمساندة لا تعني إغلاق باب الأسئلة، والنقد لا يعني الوقوف ضد الدولة. بل إن النقاش الموضوعي يمنح القرار فرصة للفهم، ويساعد على تصحيح المسار، ويجعل المواطن شريكاً في معرفة ما يجري حوله.

إن العراق بحاجة إلى الثقة بقدر حاجته إلى الإصلاح، وإلى قرارات تواجه التحديات بقدر حاجته إلى مؤسسات تحسن تنفيذها. وقد أعلن الزيدي تحمّله مسؤولية قراره أمام البرلمان، وهي خطوة تستحق أن تُقرأ بإنصاف، وأن تُمنح فرصة العمل والنجاح، فيما تبقى النتائج الملموسة هي الطريق إلى ترسيخ الثقة بين الدولة والمواطن.

فالثروة الحقيقية ليست ما تختزنه الأرض وحدها، بل ما يستطيع الإنسان العراقي أن يلمسه في حياته من أمن وكرامة وفرص. وإذا نجح العراق في تحويل موارده إلى استثمار يحمي الحاضر ويبني المستقبل، فسيكون قد خطا خطوة مهمة نحو الدولة التي يستحقها أبناؤه، والأمانة التي يجب أن تصل كاملة إلى الأجيال القادمة.


تعديل المشاركة
Reactions:
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال