طه حسن الأركوازي ||
لسنا هنا في معرض الدفاع عن حكومة بعينها ، ولا في موضع توجيه اللوم إلى جهة دون أخرى ، بقدر ما نسعى إلى تشخيص الخلل في إدارة الدولة وأسباب تكرار الأزمات ، فقد كشفت التحديات المُتعاقبة التي واجهها العراق ، وما زال يواجهها .
أن المشكلة تتجاوز أداء حكومة بعينها لتُلامس خللاً بنُيوياً في منظومة الحكم وآليات إدارة الدولة وصناعة القرار والموارد ، فليست أخطر أزمات العراق تراجع الإيرادات النفطية أو تعثر تأمين الرواتب والنفقات العامة فحسب ، بل أن يجد بلد يمتلك ثروات هائلة نفسه أمام أختناقات مالية ومعيشية مُتكررة من دون أن يتمكن من بناء أقتصاد مُتنوع قادر على الصمود أمام الصدمات ، فالثروات مهما عظُمت ، لكنها لا تصنع دولة بمفردها ، إنما تصنعها مُؤسسات كفوءة ، وإدارة رشيدة ، وتخطيط أستراتيجي ، وقانون يسري على الجميع دون أستثناء .
تتفاقم المخاوف في ظل أضطراب أسواق الطاقة ، وتعطل مسارات تصدير النفط ، والتوترات الإقليمية المُرتبطة بالحرب ، وإغلاق مضيق هرمز ، وما تفرضه هذه التطورات من ضغوط على الإيرادات والسيولة ، وعندما تتزامن الصدمات الخارجية مع أقتصاد يعتمد بصورة مُفرطة على النفط ، وجهاز حكومي واسع النفقات ، والتزامات شهرية كبيرة ، عندها تتحول الأزمة سريعاً من مُشكلة مالية إلى تهديد للاستقرار المعيشي والثقة بالدولة .
كما إن أي تغيير في سعر الصرف أو إجراء لتأمين السيولة لا يمكن تقييمه بمعزل عن أثره في القوة الشرائية للمواطن والأسعار وحركة الأسواق ، فالمُوظف والمُتقاعد ومحدودي الدخل لا تعنيهم المُؤشرات المالية وحدها ، بل ما يستطيعون شراءه بدخولهم ، ولذلك فإن تحميل المُجتمع كُلفة الاختلالات الاقتصادية من دون حماية إجتماعية مدروسة ، أو إصلاح تدريجي واضح ، قد يُفاقم الركود ويُعمّق الفجوة بين الدولة ومواطنيها .
المطلوب هُنا هو التحقق من القرارات والأرقام الرسمية ، والتمييز بين الضغوط الفعلية والشائعات ، بعيداً عن التهويل أو التبرير .
لكن الأزمة الراهنة ليست وليدة ظرف طارئ فحسب ، إنها حصيلة إختلالات تراكمت عبر أكثر من عقدين ، فقد أُنفقت موارد مالية ضخمة منذ عام 2003 ، ومع ذلك لا تزال قطاعات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والخدمات والبُنى التحتية والإنتاج تعاني أختناقات مُزمنة ، وهذا التناقض يفرض سؤالاً جوهرياً ، كيف تتحول الثروة إلى عجز ، والإمكانات إلى أزمات ، والإنفاق الكبير إلى نتائج لا تتناسب مع حجمه .؟
تكمن الإجابة في بُنية إدارة الدولة حيث تقدمت المُحاصصة والتوازن على الكفاءة والخبرة ، وتداخلت المصالح الصيقة مع القرار الإداري والاقتصادي ، وتراجعت المُساءلة أمام نفوذ شبكات المصالح ، ومع غياب التخطيط طويل الأمد ، أصبح الاقتصاد أسير دورة مُتكررة ، أرتفاع الإيرادات يوسع الإنفاق ، وأنخفاضها يكشف هشاشة النظام المالي ، فيما تبقى القطاعات الإنتاجية عاجزة عن توفير بدائل حقيقية .
غير أن المسؤولية لا تقف عند حدود المؤسسات وحدها ، فثمة جانب إجتماعي يستحق المُراجعة أيضاً .
يُفسر علم النفس بعض صور الدفاع عن المسؤول رغم الإخفاق بما يُعرف بـ«التنافر المعرفي» ، حين يحاول الفرد التوفيق بين معرفته بوجود خلل وولائه السياسي أو الاجتماعي .
وتفسر الزبائنية السياسية جانباً آخر ، حين يتحول الحصول على وظيفة أو خدمة أو منفعة إلى مقابل للولاء ، وهكذا قد يُدان الفساد في الخطاب ، ثم يُبرر في المُمارسة إذا كان المُستفيد منه قريباً من الجماعة التي ينتمي إليها الفرد .
لكن مُعالجة هذه الظاهرة لا تكون بإلقاء اللوم على المواطن وحده ، فالدولة التي تضعف خدماتها وتترك الناس تحت ضغط الحاجة تُهيئ بيئة تتوسع فيها الوساطة والولاءات النفعية . والحل يبدأ بأستعادة المُواطنة بوصفها علاقة حقوق وواجبات ، وبناء مُؤسسات تضمن للمواطن حقه من دون أن يضطر إلى طلب الحماية من حزب أو شخصية نافذة .
وتؤكد تجارب الدول التي خرجت من الحروب والانهيارات أن إعادة البناء لا تبدأ بالإسمنت والحديد وحدهما ، بل بإصلاح المُؤسسات ، وترسيخ سيادة القانون ، ومُساءلة المسؤولين عن الفساد مهما علت مناصبهم أو تعددت عناوينهم ، فالجميع يجب أن يكونوا مُتساوين أمام القانون بلا أستثناء أو حصانة غير مشروعة .
كما يتطلب النهوض توجيه الموارد نحو القطاعات الإنتاجية ، والاستثمار في التعليم والصحة والبُنية التحتية ، لقد أثبتت تجارب عديدة أن تجاوز الأزمات لا يتحقق بتبديل الوجوه وحده ، بل ببناء مُؤسسات كفوءة ، وأعتماد الكفاءة والخبرة والمهنية والنزاهة معياراً لتولي المسؤولية ، والإنتاج ركيزةً للاقتصاد ، والثقة المُتبادلة أساساً للعلاقة بين الدولة والمجتمع .
ومن هنا، يحتاج العراق إلى مسار إصلاحي جاد يتجاوز المُعالجات الترقيعية ، وينطلق من مُراجعة الإنفاق العام وترشيده ، وضمان الرواتب والاستحقاقات الأساسية ، ومُكافحة الهدر والفساد عبر إجراءات قضائية ومُؤسسية عادلة وغير أنتقائية ، ويقتضي ذلك صون أستقلال القضاء ، وتعزيز فاعلية الرقابة المالية ، وإخضاع العقود الحكومية والمنافذ الحدودية والكمارك ومصادر الإيرادات العامة لمعايير الشفافية والمساءلة ، وإنهاء هيمنة المكاتب الاقتصادية للأحزاب على مُؤسسات الدولة ومواردها ، وبالتوازي مع ذلك لا بد من تنشيط الصناعة والزراعة ، وتحفيز الاستثمار ، وتطوير النظامين الضريبي والرقمي ، وبناء شبكة حماية إجتماعية فاعلة تُواكب الإصلاح ، وتحمي الفئات الأكثر هشاشة من تحمّل أعبائه ، فالإصلاح الحقيقي لا يُقاس بحجم الإجراءات المُعلنة ، بل بقُدرتها على أستعادة كفاءة الدولة ، وصيانة المال العام ، وتحقيق العدالة في توزيع الأعباء والموارد .
أما الطبقة السياسية والحكومة ، فهما أمام أختبار يتجاوز إدارة أزمة عابرة :
فإما الاستمرار في تدوير أسبابها .؟
أو الشروع في إصلاح يُعيد للدولة قُدرتها على أتخاذ القرار وتحمل المسؤولية .
إن الإصلاح الحقيقي لا يتحقق بتغيير الوجوه وحده ، بل بتغيير قواعد الإدارة والتعيين والإنفاق والمساءلة .
أخيراً وليس آخراً .. إن العراق لا تنقصه الثروة بقدر ما تنقصه القُدرة المُؤسسية على تحويلها إلى أستقرار وأزدهار ، ولا يكفي أن تُطالب الحكومة المواطن بالصبر ما لم تُقدم له رؤية واضحة ، وأرقاماً شفافة ، وقرارات عادلة ، وجدولاً زمنياً قابلاً للقياس ، فالدولة القوية ليست التي لا تتعرض للأزمات ، بل التي تستعد لها ، وتديرها بعدالة ، وتمنع تكرارها ، وحين تصبح الكفاءة والنزاهة معياراً ، والقانون مرجعاً ، والمصلحة الوطنية فوق المصالح الحزبية ، عندها يمُكن للعراق أن ينتقل من إدارة الأزمات إلى بناء المستقبل …!
