علي الحاج
ليس من الإنصاف أن يُختصر تاريخ شاعر بحجم جواد الحمراني في بيت شعري واحد، ولا أن تتحول مناسبة اجتماعية إلى محاكمة مفتوحة لرجل حمل القصيدة موقفاً، وعاش الكلمة مسؤولية، وعرفته المنابر الثقافية قبل أن تعرف مواقع التواصل الاجتماعي ضجيج الاختلاف والاتهام.
أثار مطلع قصيدته "جبناها بتعب مو بالوراثة"، التي ألقاها خلال تقديم التهاني إلى نائب رئيس مجلس الوزراء، د. ليث الخزعلي، اعتراضات وانتقادات، بعضها انصرف إلى دلالة العبارة السياسية، وبعضها تجاوز القصيدة إلى صاحبها، وهنا ينبغي التمييز بين حق النقد المشروع، وبين التجريح الذي لا يضيف إلى النقاش شيئاً.
جواد الحمراني ليس اسماً طارئاً على المشهد الثقافي العراقي، ولا شاعراً يبحث عن مناسبة ليصنع لنفسه حضوراً، فقد عرفته الأوساط الشعرية منذ ثمانينيات القرن الماضي، وكتب عنه شعراء ومثقفين كثر منهم الأستاذ فالح حسون الدراجي مستعيداً بداياته في منتدى الشعراء الشباب عام 1985، حين لفت الأنظار بقوة نصه على الرغم من حداثة تجربته آنذاك.
ولم تكن تجربة الحمراني الشعرية معزولة عن مواقفه، فقد وثق الشاعر والاديب جواد الحطاب جانباً من حياته خلال تسعينيات القرن الماضي، عندما كان مطلوباً لأجهزة النظام السابق بسبب موقفه المعارض، وروى واقعة لجوئه إليه طلباً للمبيت هرباً من الملاحقة، وهي شهادة تمنح الحديث عن تاريخه النضالي بعداً إنسانياً لا تصنعه المجاملات ولا تمنحه المناصب، وفي شعر الحمراني ما يكشف عن انشغاله المبكر بقضايا الوطن والعدالة، ومن أبياته المنشورة:
"أنا الشعب العراقي العرض بالطول
خليط حدودهه انياب الذئابي"
إنها صورة شعرية تختزل إحساساً بالوطن المحاصر، وتكشف عن شاعر لم يكن بعيداً عن هموم مجتمعه، بل جعل من لغته الشعبية وسيلة للتعبير عن القلق والألم والاحتجاج، وفي نص آخر منسوب إليه، ورد في مادة قديمة عن تجربته:
"قبلك مامدحت بشعري إنسان
بس جدك حسين وظهره وجفوفة"
وهذا البيت، بصرف النظر عن سياقه التاريخي، يعكس حضور المعتقد والوجدان في تجربته الشعرية، ويؤكد أن قراءة شعره تحتاج إلى معرفة مساره الطويل، لا الوقوف عند قصيدة واحدة، ومن حق أي قارئ أن يختلف مع الحمراني في موقف سياسي أو عبارة شعرية، ومن حقه أن يناقش ما إذا كان مطلع القصيدة مناسباً للمناسبة التي قيل فيها، لكن الاختلاف لا يستلزم إنكار تجربته أو التقليل من قيمته الأدبية، فالشاعر لا يُعفى من النقد بسبب تاريخه، كما أن تاريخه لا ينبغي أن يُمحى بسبب النقد، والأجمل في التعامل مع قامة ثقافية تقدمت بها السنون أن يكون الاختلاف معها بمستوى ما قدمته من تجربة، وأن تُقرأ قصيدتها في سياقها الكامل، بعيداً عن الاجتزاء والتأويل المتعجل.
إن جواد الحمراني، بما له من حضور في ذاكرة الشعر الشعبي العراقي وشهادات معاصريه عن مواقفه، يستحق قراءة منصفة، تحفظ له مكانته الإنسانية والأدبية، وتترك في الوقت نفسه باب النقاش مفتوحاً أمام الجميع، فليس مطلوباً أن نتفق مع الشاعر في كل ما يقول، وإنما أن نختلف معه من دون أن نظلمه، وأن نتذكر أن القصيدة تُناقش بالكلمة، لا بإلغاء صاحبها.
جواد الحمراني أكبر من أن تختزله عبارة، والنقد أرقى من أن يتحول إلى خصومة شخصية.
