جاري تحميل ... مدونة المرجل

الاخبار

إعلان في أعلي التدوينة

الصفحة الرئيسية غير مصنف حين تغيّر اللون… تغيّر السؤال

حين تغيّر اللون… تغيّر السؤال

حجم الخط

 


رغدان الخزعلي


في السياسة، لا تُقرأ الكلمات وحدها؛ أحياناً تكون الصورة جزءاً من الخطاب، ويصبح اللون نفسه حاملاً لرسالة تتجاوز المظهر.

في يوم السيادة العراقية، يظهر سماحة الشيخ قيس الخزعلي بالثوب الأبيض، في مشهد مختلف عن الصورة التي اعتادها الجمهور منه لسنوات، حيث كان السواد حاضراً بصورة شبه ثابتة في ظهوره العام.

وهنا لا تكمن أهمية المشهد في اللون وحده، بل في تزامن تغيّر اللون مع تغيّر موضوع الخطاب.

فالشيخ يتحدث اليوم عن السيادة، ووحدة العراق، والدولة، والمؤسسات، والمرحلة الجديدة التي يفترض أن تضع العراق أمام مسؤولية إدارة قراره الوطني بنفسه.

وهذا يقودنا إلى سؤال اتصالي أكثر عمقاً:

هل تغيّر الثوب لأن المرحلة تغيّرت؟

لا يمكن الجزم بأن ارتداء الأبيض كان مقصوداً كرمز سياسي، كما لا يصح التعامل مع فكرة أن السواد كان مرتبطاً بعهد شخصي قطعه الشيخ على نفسه حتى خروج آخر جندي أجنبي بوصفها حقيقة موثقة من دون تصريح مباشر منه.

لكنها تبقى قراءة انطباعية فرضتها ذاكرة الصورة.

فحين يعتاد الجمهور رؤية شخصية عامة بالسواد لسنوات، يتحول اللون تدريجياً من مجرد لباس إلى جزء من هويتها البصرية. وعندما يظهر الأبيض فجأة في لحظة وطنية مرتبطة بالسيادة، فإن المتلقي يبحث بصورة تلقائية عن معنى لهذا الانتقال.

وقد يكون المعنى بسيطاً ولا علاقة له بالسياسة.

وقد يكون مقصوداً.

لكن في الحالتين، أصبح للمشهد معنى لأن السياق منحه هذا المعنى.

والأكثر إثارة أن خطاب الخزعلي نفسه يتحرك باتجاه مفردات تتعلق بالدولة والسيادة والمؤسسات؛ فقد تحدث في هذه المناسبة عن استعادة السيادة، والسيادة الاقتصادية، وربط الحشد الشعبي بالقائد العام للقوات المسلحة، ونبذ الخطاب الطائفي، والدعوة إلى بناء عقد اجتماعي جديد.

وهنا تتجاوز الصورة حكاية الأسود والأبيض.

الأسود يمكن أن يُستحضر بوصفه جزءاً من ذاكرة مرحلة ارتبطت بالصراع والفقد والمواجهة.

أما الأبيض، فيمكن أن يُقرأ ــ رمزياً وانطباعياً ــ باعتباره لوناً لمرحلة أخرى: مرحلة الدولة، والسيادة، والبناء، والمسؤولية.

وهذا لا يعني أن مرحلة المواجهة قد مُحيت من الذاكرة، ولا أن كل أسئلة السيادة قد انتهت بخروج القوات الأجنبية.

بل ربما العكس تماماً.

فالسيادة تبدأ، في معناها الأعمق، بعد خروج الآخر؛ لأن السؤال عندها يصبح: ماذا سيفعل العراقيون بسيادتهم؟

هل تتحول إلى مؤسسات أقوى؟

هل تتحول إلى قرار وطني؟

هل تتحول إلى استقرار؟

هل تتحول إلى اقتصاد قادر على حماية استقلال القرار؟

وهل يستطيع العراق أن ينتقل من سردية "مواجهة الاحتلال" إلى سردية  "بناء الدولة"؟

لهذا أرى أن أجمل ما في صورة اليوم ليس الأبيض وحده، وإنما المسافة الرمزية بين الأبيض والأسود.

سنواتٌ كان فيها السواد جزءاً من المشهد.

واليوم، في يوم السيادة، يظهر الأبيض.

قد يكون مجرد لون.

وقد يكون أكثر من ذلك.

لكن المؤكد أن الصورة جعلتنا نعيد قراءة المرحلة كلها من جديد.

وربما لهذا يمكن اختصار المشهد بجملة واحدة:

حين تغيّر اللون… لم تتغيّر الصورة فقط، بل تغيّر السؤال: من مقاومة وجود الآخر، إلى مسؤولية بناء الدولة.

تعديل المشاركة
Reactions:
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال