جاري تحميل ... مدونة المرجل

الاخبار

إعلان في أعلي التدوينة

الصفحة الرئيسية غير مصنف بين دائنٍ يطلب حقَّه، ومدينٍ يطلب مهلة: حين تختلط الديون بالظروف وتُختبر الأخلاق..!

بين دائنٍ يطلب حقَّه، ومدينٍ يطلب مهلة: حين تختلط الديون بالظروف وتُختبر الأخلاق..!

حجم الخط

 


أ.محمد البحر المحضار ||

نلاحظ في مجتمعنا اليوم أن الناس أصبحت تشكو كثيرًا في مسألة الدَّين والديون؛ ما بين دائنٍ يشكو تأخر حقه، ومدينٍ يشكو عجزه عن السداد، وما بين هذا وذاك تفرض الظروف حكمها، وتضع الجميع أمام واقعٍ لا يمكن اختصاره في كلمة واحدة.

فهل كل من تأخر عن سداد دينه مماطل؟

وهل كل من أخلف موعدًا قد كذب حين وعد؟

وهل كل من عجز عن الوفاء قد نوى التهرب؟

وفي المقابل، هل كل من قال: «لا أستطيع» أصبح معذورًا، حتى لو كان قادرًا على السداد ويتعمد التأخير؟

وأين ينتهي العجز الحقيقي، وأين تبدأ المماطلة؟

هذه ليست قضية دائن ومدين فحسب، بل قضية مجتمع بأكمله؛ لأن الإنسان قد يكون اليوم دائنًا، وغدًا مدينًا، وقد تتغير به الأيام والظروف.

لقد أثقلت الحروب والنزاعات والأزمات والظروف الاقتصادية والمعيشية كاهل كثير من الناس، حتى أصبحت الاستدانة عند البعض وسيلة لسد حاجة، أو علاج أزمة، أو إعالة أسرة، أو تجاوز ظرف طارئ، لا ترفًا ولا رفاهية.

ولذلك لا يمكن أن ننظر إلى الدَّين بمعزل عن الواقع الذي يحيط بالإنسان.

لكن قسوة الظروف لا ينبغي أن تتحول إلى غطاء دائم لإسقاط الحقوق، كما لا ينبغي أن يتحول الدين إلى باب للمماطلة أو التنصل من الوعود.

فمن استدان فقد حمل في ذمته حقًا، ومن وعد بالسداد فقد حمّل نفسه أمانة، ومن استطاع أداء ما عليه ثم أخّره دون مبرر فعليه أن يتحمل مسؤولية ذلك.

ومع ذلك، ليس كل تأخير مماطلة، وليس كل وعدٍ تأخر الوفاء به كذبًا، وليس كل من عجز عن السداد قليل وفاء.

فقد يكون الإنسان صادقًا في نيته، عازمًا على السداد، ثم تتغير ظروفه، تضيق أبواب رزقه، تتراكم التزاماته، أو تطرأ عليه أزمة لم تكن في حساباته، فيصبح عاجزًا عن تنفيذ ما وعد به.

وهنا يجب أن نفرق بوضوح بين من لا يريد أن يسدد، ومن يريد السداد ولكنه لا يستطيع.

ولهذا جاء الميزان الإلهي واضحًا:

*﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ﴾.*

فالمعسر ليس مماطلًا، والعاجز ليس خائنًا، ومن غلبته الظروف لا يُعامل كمن اختار التهرب.

وفي المقابل، لا ينبغي لمن عليه حق أن يتخذ العجز ستارًا دائمًا؛ بل عليه أن يكون صريحًا، واضحًا، محافظًا على حق صاحبه، ساعيًا إلى الوفاء متى استطاع، ولو بالقليل.

فيا أيها المدين: لا تتدين إلا عند الحاجة والضرورة، وخذ بقدر حاجتك، ولا تحمل نفسك فوق استطاعتك، ولا تضع لنفسك موعدًا لا تراعي فيه احتمال تغير الظروف.

وإن جاء موعد السداد ولم تستطع، فلا تختفِ ولا تتهرب؛ واجه، واعتذر، وبيّن حقيقة ما منعك، وأبقِ صاحب الحق على علم بوضعك.

فالهروب من الدائن أو تجاهله قد يجعل العجز الذي كان يمكن تفهمه يبدو إهمالًا ومماطلة.

وأخلص نيتك في السداد، وكن مهتمًا بما عليك من دين، ولا تتعامل معه كأمر ثانوي.

فالدين لا يعيب الإنسان، ولا يقطع رأسه، وإنما يعيبه التفريط في الحق مع القدرة، أو المماطلة والتهرب وإنكار الحقوق.

وفي المقابل، أيها الدائن: تذكر أن من أقرضته قد يكون صادقًا حين وعدك، ثم أعجزته ظروف لم تكن في حساباته.

فإذا كان العجز حقيقيًا، والنية صادقة، والسعي واضحًا، فالصبر والمهلة من مكارم الأخلاق، والإقراض عند الحاجة إحسان عظيم وتفريج لكربة.

وإن احتجت إلى المطالبة بحقك، فلا حرج؛ فالحق حق، لكن ليكن ذلك بأدب، ومن غير تشهير أو إذلال أو تحويل الأمر إلى حديث في كل مجلس ومحفل.

فامتلاك الحق لا يمنح صاحبه حق كسر كرامة المدين، كما أن كرامة المدين لا تمنحه حق ترك حقوق الناس معلقة.

قد يضيق الدائن من طول الانتظار لأنه يحتاج إلى ماله، وقد يكون المدين في ضيق حقيقي لا يملك معه إلا السعي والصبر والدعاء.

ولهذا فالعدل أن نراعي الطرفين: نحفظ للدائن حقه، ونحفظ للمدين كرامته.

ولا ينبغي أن نحكم على ما في القلوب من خلال ظاهر التأخير؛ فهناك من يتأخر لأنه لا يبالي، وهناك من يتأخر لأنه لم يعد يملك إلا الصبر والسعي والدعاء. والفرق بينهما هو جوهر المسألة.

فالرحمة لا تعني إسقاط الحق، والمطالبة بالحق لا تعني القسوة.

الدين يكشف الأخلاق؛ يكشف صدق المدين، وصبر الدائن، ورحمة القادر، وضمير الإنسان حين تضيق به الحياة.

ولذلك فالعدل ألا نعمم الحكم: نرحم المعسر الحقيقي، ونواجه المماطلة حين تكون قائمة على القدرة والتعمد، ونحفظ للدائن حقه، وللمدين كرامته.

وفي النهاية، لا أحد يضمن ألا تتغير به الأيام، فينتقل من موقع الدائن إلى موقع المدين، أو العكس.

فلنتعامل مع هذه القضية كما نحب أن يُتعامل معنا حين تتغير مواقعنا.

نسأل الله أن يفرّج كربة كل مديون، ويقضي دين كل معسر، ويفتح أبواب الرزق لمن ضاقت به السبل، ويرزق أصحاب الحقوق الصبر والحكمة والرحمة، ويرزق من عليهم الحقوق الصدق والوفاء والأمانة.

اللهم لا نخرج من هذه الدنيا إلا وقد قضيت عنا الدين، وأديت عنا الحقوق، وأبرأت ذممنا، وأغنيتنا بفضلك عمن سواك، ولا تجعل في أعناقنا حقًا لعبدٍ من عبادك.

اللهم اقضِ عن كل مديونٍ دينه، وفرّج عن كل معسرٍ كربته، وردّ لكل دائنٍ حقه، وأصلح بين القلوب، وافتح أبواب الرزق والفرج، بحق محمد وآل محمد، وبحق الصلاة على محمد وآل محمد.

اللهم صلِّ على محمد وآل محمد.

*#أما_بعد …*

فالدين ليس ورقةً تُكتب، ولا وعدًا يُقال، ولا مبلغًا يُنسى؛ إنه أمانة واختبار للضمير.

فلا تظلموا معسرًا غلبته الحياة، ولا تبرروا لمن اختار المماطلة والتهرب، ولا تجعلوا الرحمة إسقاطًا للحقوق، ولا تجعلوا المطالبة بالحقوق ذريعةً للقسوة.

ضعوا كل إنسان في موضعه؛ فالعدل ليس أن نحكم على الجميع بحكمٍ واحد، وإنما أن نعطي كل حالة حكمها الذي تستحقه.


تعديل المشاركة
Reactions:
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال