جاري تحميل ... مدونة المرجل

الاخبار

إعلان في أعلي التدوينة

الصفحة الرئيسية غير مصنف الصوت العالي من الجوف الخالي..!

الصوت العالي من الجوف الخالي..!

حجم الخط

 


كاظم سلمان ابورغيف ||

في كل زمنٍ تُطلّ علينا أصوات مرتفعة تُلوّح بالقوة، وتُغرق الفضاء بالتهديد والوعيد، حتى يخال للناس أن أصحابها جبابرة لا يُقهرون…

غير أن التجربة

—القديمة-المعاصرة—تعلّمنا درسًا واحدًا لا يتغيّر:-

ليست كل الأصوات العالية دليل قوة، فكثيرًا ما تكون صدى لجوفٍ خاوٍ، وفراغ داخلي يحاول صاحبه أن يملأه بصخبٍ يتلاشى عند

أوّل منعطف.

إن التهديد، رغم مظهره العدواني، ليس إلا محاولة يائسة يطلقها الضعيف ليستعيد شعورًا مفقودًا بالسيطرة. من يملك القوة الحقيقية لا يحتاج إلى أن يرفع صوته، ولا إلى أن يتوعّد. وحده من يعاني هشاشة في الداخل يلجأ إلى الرعب ليقنع نفسه قبل أن يقنع الآخرين بأنه ما يزال قادرًا على الإمساك بمقود السلطة، أو بزمام الهيمنة.

وليس أدلّ على هذا من نماذج لعقود كانت تحكم شعوبها بالحديد والنار… صدام حسين مثلا قريبا، كان يملأ الشاشات هديرًا، سقط نظامه في أيام معدودة، فانكشف أن تلك ؛؛الهوبزة؛؛ التي غلّفت حكمه لم تكن سوى غطاء هشّ يخفي عجزًا عميقًا.

والقذافي،

أه أه القذافي

الذي كان يخطب بالساعات متحديًا العالم كله، أُطيح في لحظة تلاشى فيها صوته، ووجد نفسه مطاردًا في صمت الصحراء التي طالما استعرض فوقها.

وزين العابدين بن علي، الذي شدّد قبضته الأمنية سنوات، وكان يفتخر أنه خريج المدارس الأمنية…

لم يجد حين ارتفع صوت الناس إلا طريق الهروب ليلًا، وكأن كل تلك السلطة التي خنقت التونسيين لم تكن تملك من الصلابة ما يمنعها من الانهيار عند أول هزة….

هذه الأمثلة ليست استثناءً، بل هي القاعدة ذاتها تتكرر بوجوه مختلفة: كل سلطة تعتمد على #الخوف تتساقط عندما يتوقف الناس عن الخوف. وكل قوّة تبنى على التهديد سرعان ما تنفضّ حين يتبيّن أن صاحبها لم يكن يملك إلا الصوت…

لا القدرة.

إن المجتمع الذي يقدّس الصراخ ويخلط بين العنف والقوة، هو مجتمع يمهّد الطريق دومًا لظهور الأصوات الجوفاء. وحين يصبح التهديد وسيلة للهيبة، يتراجع دور الحكمة، ويترك الناس ساحات الحوار ليقفزوا إلى ساحة الصراع. عندها تُصنع الطغاة، لا لأنهم أقوياء، بل لأن البيئة سمحت للفراغ أن يسمّي نفسه قوة.

القوة الحقيقية ليست عاصفة، بل سكونًا راسخًا. لا تحتاج إلى صراخ، ولا إلى استعراض. تبنى على الثقة لا على الرهبة، وعلى المعرفة لا على الخوف. أما من يرفع صوته عاليًا، فغالبًا ما يكشف أكثر مما يخفي؛ يكشف عن رعب داخلي من انكشافه، وعن خوف من سقوط صورته أمام الآخرين.

إننا، اليوم أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى التمييز بين القوة التي تُشعر ولا تُقال، وبين القوة الزائفة التي تصرخ حتى تصدّق نفسها. فالتاريخ لا يخلّد الأصوات العالية، بل يخلّد الأصوات العميقة. ولا يبقى في ذاكرة الشعوب من الجبابرة إلا عجزهم عند لحظة الحقيقة، تمامًا كما لا يبقى من الريح العاتية إلا الغبار الذي تثيره.

الصوت العالي قد يملأ السمع… لكنه لا يملأ الفراغ. والقوي لا يهدّد، بل يطمئن. أما الضعيف… فيصرخ من خوفه قبل أن يصرخ من قوته.

ذلك هو الصوت العالي من الجوف الخالي.

تعديل المشاركة
Reactions:
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال