جاري تحميل ... مدونة المرجل

الاخبار

إعلان في أعلي التدوينة

الصفحة الرئيسية غير مصنف خطاب الفوضى المعمقة والتحريض باسم السلام

خطاب الفوضى المعمقة والتحريض باسم السلام

حجم الخط

 


رغدان الخزعلي 


في كل مرحلةٍ يقترب فيها العراق من تثبيت استقراره، يظهر خطاب موازٍ لا يحتفل بالإنجاز، ولا يناقش السياسات، بل يعمل بهدوء على تقويض فكرة الدولة ذاتها. خطاب لا يرفع السلاح، لكنه ينتج أثره؛ ولا يعلن العداء، لكنه يزرع الشك؛ ولا يعيش كلفة الفوضى، لكنه يطالب بها.

هذا الخطاب لا يصدر من ساحات المعاناة، بل من مسافات آمنة، حيث تدار “المواقف” عبر الشاشات، وتكتب “التحليلات” من خارج ضغط الواقع العراقي. وهو ما يفسر هذا الانفصال الغريب بين لغة السلام التي ترفع، والنتائج التي تراد على الأرض.

إن أخطر ما يواجه الدول الخارجة من الحروب ليس العدو المعلن، بل التحريض المقنع؛ ذاك الذي يرفض الاستقرار لا لأنه ناقص، بل لأنه يفقده دوره. فالدولة المستقرة تسقط سرديات الفوضى، وتفقد تجار الأزمات جمهورهم، وتربك من اعتاد الاستثمار في الهشاشة.

حين تتقدم الدولة العراقية في ترسيخ سيادتها، وتوحيد قرارها الأمني، وحصر استخدام القوة ضمن مؤسساتها الدستورية، لا يناقش هذا المسار بصفته إنجازاً وطنياً، بل يقدم على أنه “تنازل”، أو “تراجع”، أو “خطر مؤجل”. لا تناقش الأدوات، ولا يقترح البديل، بل يكتفى بتشويه الفكرة ذاتها: فكرة الدولة القادرة.

اللافت أن الخطاب نفسه يعاني ازدواجية واضحة؛

يطالب بالسلم، لكنه يهاجم كل إجراء يفضي إليه.

يرفع شعار الدولة المدنية، لكنه يرفض احتكارها للسلاح.

ينتقد الفوضى لفظاً، ويغذيها مضموناً.

والمفارقة أن هذا النوع من الخطاب لا يمارس في بيئات هشة، بل في فضاءات مستقرة، محمية، بعيدة عن كلفة الانفلات الأمني. فالدعوة إلى الصدام سهلة حين لا تكون أنت من يدفع الثمن، والمزايدة على “المقاومة” مريحة حين لا يتهدد بيتك، ولا جامعتك، ولا سوق مدينتك.

إن النقد حق، والاختلاف ضرورة، لكن ما يجري ليس نقداً بقدر ما هو إدارة مزاج عام مضاد للاستقرار. لا يقدم حلولاً، ولا يتحمل مسؤولية، ولا يعترف بتعقيدات الواقع العراقي، بل يختزل الدولة في ثنائية مدمرة: إما فوضى دائمة أو خيانة متخيلة.

العراق لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الشعارات، بل إلى تثبيت منطق الدولة:

دولة تحاسِب، لا تساوِم.

ودولة تحمي السلاح بالقانون، لا القانون بالسلاح.

ودولة تفهم أن السيادة لا تجزأ، ولا تدار عبر منصّات عابرة للحدود.

إن السلام ليس حالة شعورية، بل منظومة سياسية وأمنية وقانونية. ومن لا يقبل بهذه المنظومة، مهما كانت لغته ناعمة، فهو لا يعمل للسلام، بل يؤجل الاستقرار إلى أجلٍ غير مسمى.

العراقيون تعبوا من الاختبارات المفتوحة، ومن المشاريع غير المكتملة، ومن الدعوات التي لا تعيش نتائجها. ما يريدونه اليوم بسيط وواضح:

دولة واحدة، قرار واحد، وسلاح واحد…

وما عدا ذلك، ليس اختلاف رأي، بل هروب من استحقاق الدولة

تعديل المشاركة
Reactions:
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال