جاري تحميل ... مدونة المرجل

الاخبار

إعلان في أعلي التدوينة

الصفحة الرئيسية غير مصنف مات وهو غاضب.. القصة التاسعة من مجموعة صلاة الليل..!

مات وهو غاضب.. القصة التاسعة من مجموعة صلاة الليل..!

حجم الخط

 


جليل هاشم البكّاء ||


أحس بثقل جديد على صدره، مختلف عن كل ما شعر به في الركعات السابقة. كان الليل عميقًا الآن، والهدوء يملأ الساحة، إلا من صوته الذي يتردد بين الجدران، كأنها تراقبه وتراقب كل حركة له. جلس قليلاً على الأرض، وأغمض عينيه، واستجمع شجاعته لمواجهة قصةٍ أثقل من السابقة.

نهض، وسار بين القبور، يلتقط أسماءً ويقرأها في صمت، حتى توقف عند قبر رجل كبير في السن، واسمه محفور بخطٍ واضح، وتحت الاسم جملة واحدة تشير إلى أنه كان له أولاد وأحفاد. كان القبر يبدو محترمًا ومرتبًا، وكأنه يعكس حياة صاحب القبر، لكنه في الداخل يخفي أسرارًا لم يعرفها أحد.

جلس أمام القبر، ووضع يده على الحجر البارد، وتخيل صاحب القبر في شبابه. كان رجلًا صارمًا، قويًا، ذا سلطة في أسرته ومجتمعه، لكنه لم يكن حنونًا. كان يصرّ على رأيه، ويعتبر كل اعتراض على قراراته علامة ضعف. لم يكن يضرب أولاده، لكنه كان يستخدم كلمات تكسر الروح أكثر من الضرب أحيانًا. كانت القرارات تُفرض، لا تُناقش، وكان الغضب يتراكم في الصمت.

كبر الأولاد، وحاولوا الهروب من الخوف المستمر، لكن لم يجدوا مخرجًا إلا في الابتعاد. لم يشعر الأب بذلك، لأنه اعتقد أن القوة والانضباط هما الطريق الصحيح للحياة. لم يتعلم أن الحب والرحمة أكثر تأثيرًا من الصرامة وحدها.

مع مرور السنوات، ازدادت صرامته، وكبرت المسؤوليات، وصار يرى أن أي تراجع عن موقفه هو ضعف شخصي، وأن التعبير عن المشاعر نوع من العجز. مرض في أواخر عمره، ولم يكن يعرف كيف يعتذر، أو كيف يعبر عن ندمه. حاول أن يكون رجلاً قوياً حتى النهاية، لكنه لم يدرك أن القوة بلا حكمة رحمة تصبح قسوة تؤذي من حوله.

جلس الرجل طويلًا أمام القبر، وشعر بالمرارة. أدرك أن بعض الناس يظلمون الآخرين بصمت، وأن الظلم لا يكون دائمًا بالصوت العالي أو الضرب، بل بالبرود المستمر وغياب التعاطف. أدرك أن القلب الذي لا يُعطى مكانه في الحياة يترك أثرًا لا يمحى، وأن بعض الخسائر تحدث قبل أن يرحل الإنسان، لكنها تبقى معه حتى بعد موته.

نهض ببطء، وعاد إلى مكان صلاته. وقف للركعة التالية، وكانت قراءته ثقيلة، صوته منخفض وكأنه يهمس لنفسه. وحين سجد، لم يسأل الله طول العمر أو الصحة، بل سأل الرحمة لكل قلبٍ لم يُحسن صاحبه معاملته، ولكل علاقةٍ انهارت بسبب صرامة بلا حكمة.

وعندما رفع رأسه، شعر أن صلاة الليل لم تترك له حرية الهروب، بل وضعت أمامه حقيقة واحدة: أن بعض القبور تحمل قصص أولئك الذين ظَلَموا أنفسهم قبل أن يظلموا الآخرين، وأن القوة بلا رحمة ليست أكثر من صمت مؤذي يبقى بعد الموت، كما يبقى أثر الركام في الأرض.

تعديل المشاركة
Reactions:
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال