زيد الحسن ||
في العراق لم يكن العوز هو المشكلة ، ولا غياب الموارد ، بل غياب الفكرة التي اسمها وطن ، في العالم أمم نهضت حين فهمت أن الدولة لا تقوم بالخطب بل بالعمل الصامت ، وأن الوطنية ليست صراخا في الساحات ، بل التزاما يوميا يدفع ثمنه من يختارها بصدق .
هناك دول خرجت من الركام لا تملك سوى الإنسان ، بلدان كانت مكسورة الظهر محاصرة بالجوع والخراب ، لكنها قررت أن تجعل من الدولة فكرة لا غنيمة ، ومن المنصب تكليفا لا مكسبا ، في كوريا الجنوبية لم يكن النفط حاضرا ، ولا الجغرافيا كريمة ،
كان القرار فقط أن يعمل السياسي كموظف عند وطنه ، وأن تكون السيادة ممارسة يومية لا خطابا ، فصنعوا تعليما صلبا ، وحرسوا المال العام ، وبنوا مؤسسات لا أسماء ، فتحول الفقر إلى حافز ، والهزيمة إلى بداية ، واصبحت الدولة منتجة لا متسولة ، واصبح القرار وطنيا لا مستعارا .
منذ سقوط النظام السابق وحتى اليوم ، تعاقبت طبقة سياسية تعاملت مع الدولة بوصفها غنيمة حرب ، لا مشروعا للبناء ، تقاسمت السلطة واختلفت على الحصص وتركت الشعب يقف على هامش الانتظار ، كل حكومة جاءت رفعت شعار الانقاذ وغادرت وهي تترك البلاد أضعف والثقة أقل والفقر أعمق .
حين لا تكون الوطنية أولوية ، تصبح السيادة قابلة للتفاوض ويصبح القرار العراقي مؤجلا بانتظار رأي المستشار الأجنبي ، تدخل الدول من باب النصيحة ثم من بوابة الشراكة ، ثم تجلس على الطاولة وتقرر
ليس لأنها أقوى فقط ، بل لأن الداخل هش ، والهشاشة تستدعي الوصاية .
غالبية الشعب اليوم يعيش تحت ضغط الحاجة ، ليس لأن العراق فقير ، بل لأن السياسة أفقرت الإنسان ، وحولت الثروة إلى أرقام لا تصل إلى البيوت ، ولا إلى المدارس ، ولا إلى المستشفيات .
ثمن الوطنية غالِ ، لأنه يتطلب شجاعة القرار ، ونظافة اليد ، والاستعداد لخسارة الامتيازات من أجل ربح الوطن ، السياسي الوطني لا يراكم ثروة ، بل يراكم ثقة ، ولا يورث منصبا ، بل يورث دولة ، العراق لا ينقصه التاريخ.
ولا الموارد ، ولا العقول ، ينقصه فقط أن تؤخذ الوطنية على محمل الجد ، أن تكون ممارسة لا شعارا ، وسياسة يومية لا موسما انتخابيا ، عندها فقط ، لن نحتاج من يقرر عنا ، ولن يكون الفقر قدراً ، وسيصبح المستقبل صناعة عراقية خالصة .
الدولة التي لا تحمي كرامة مواطنيها ، تفقد حقها في الاستقلال ، حتى لو رفعت ألف علم ، فهل ياترى وطننا غالِ لديهم ؟ .
