علي الحاج
ميسان ليست مدينة عابرة في الجغرافيا، بل ذاكرة مفتوحة على التعب والصبر، مدينة الماء والقصب والاهوار، حيث يتعلم الناس مبكرا كيف يضعون الخوف جانبا كي يستمروا، هنا لا تحكى القصص للتسلية، بل للتثبيت، كل بيت يحمل حكاية، وكل شارع يعرف اسماء شبابه الذين خرجوا ولم يعودوا كما كانوا، او لم يعودوا ابدا، في ميسان، القلق ليس طارئا، بل جزء من تفاصيل العيش، والانتظار عادة يومية لا تنقطع.
من هذه الارض التي عرفت الاحتلال مبكرا ودفعته اثمانا باهظة، خرج ابو هادي الصكري، لم يخرج بحثا عن مجد، ولا طلبا لاسم، بل مدفوعا بما يشبه الواجب الفطري، ذلك الشعور الذي لا يطلب تفسيرا ولا يقبل التأجيل، كان واحدا من اولئك الذين حين يختارون الطريق الصعب، تعرفهم المدينة قبل ان يعرفهم الاخرون.
لم تكن امه بحاجة الى مكالمة هاتفية كي تقلق أو تطمئن ، كما هو حال أم جعفر العبودي، كانت تعرف حين يتأخر، فالقلب الذي تعود الانتظار يصير رادارا صامتا، تجلس قرب النافذة، لا تعد الدقائق بل الدعوات، وتهمس: يا رب… رجعه، ولو مكسور. لم تكن تخاف الموت بقدر ما تخاف الغياب الطويل، ذلك الذي لا يطرق الباب ولا يشرح نفسه.
ابو هادي ولد في ميسان عام 1984، ولم يولد محاربا، لكنه كبر في زمن كان الوقوف فيه امتحانا يوميا، دخل المعترك مبكرا، وقبل ان يتعلم كيف يحمي نفسه، تعلم كيف يحمي غيره، عام 2004 كانت اصابته الاولى في ساقه، اشبه بتوقيع قدر لا رجعة عنه، قالوا له: كافي، لكنه لم يفهم معنى الكفاية في بلد يتقن الخسارة.
كان في معركة السعيدة حين سقط ثلاثون شهيدا انتفشوا بعد سماعهم بالاعتداء على قبة الامام علي (عليه السلام) في النجف الاشرف، وحينها اشتعلت النيران في مقر ابو ناجي من الليل حتى نهار اليوم التالي، وكان الدخان شاهدا لا يغادر، بعدها توالت الاصابات، في النجف، جرح باليد والبطن، ثم جاءت الاصابة الاكثر ثقلا، حين تضرر عموده الفقري ولم تعد الفقرة الخامسة كما كانت، صار العلاج موعدا سنويا خارج العراق، لا ليشفى تماما، بل ليبقى قادرا على الوقوف… وكان يقف.
عام 2013 وصل الى سوريا مدافعا عن مرقد السيدة زينب (عليها السلام)، لا باندفاع طارئ، بل بواجب يعرف طريقه، وفي عام 2014، اثناء انقاذ جريح واخلاء شهيد، اصيب في كلتا يديه، اجريت له عمليتان جراحيتان دون تخدير، لا لان الالم محتمل، بل لان الوقت لا يعرف الرحمة.
في المعارك ضد الارهاب الداعشي، كان ابو هادي حيث تكون الحاجة اقسى، في جرف النصر، ثم العظيم وهو مصاب، ثم البوعجيل وتكريت وشمال سامراء وبيجي، يعود للعلاج، ثم يعود للخطوط الامامية، كأن الوجع استراحة قصيرة لا اكثر.
ومع تغير السنوات، تغيرت المهام، ولم يتغير الرجل، عمل في الادارة والاعلام العسكري، ثم تسلم ملف جرحى ميسان، هناك لم يكن مسؤولا، بل اخا، صار صديق الشهداء وخادم الجرحى، وحين ترك الملف، خرجوا يطالبون بعودته، لان الانسانية عندة سابقة لكل التعليمات.
خمسة عشر شهيدا من اصدقائه سقطوا على هذا الطريق، عاش ابو هادي يساهم في رعاية عوائلهم بصمت، كأن الغياب دين لا يسدد مرة واحدة، وبقي على العهد مكملا طريق الشهداء، حارسا لمعاناتهم في زمن كثرت فيه الضوضاء وقل فيه الصدق، هذا هو ابن ميسان الذي علمته الأهوار ان الماء قد يبدو هادئا، لكنه يخفي في عمقه قوة لا تنكسر..
ابو هادي الصكري لم يعد من الحرب ليستريح، عاد ليحمل ما تبقى من ثقل الطريق عن غيره، وحين نكتب عنه، لا نكتب عن معركة ولا عن اصابة، بل عن رجل وقف طويلا على حافة الشهادة… ثم اختار ان يبقى، حيث يحتاجه الاخرون…
