طه حسن الأركوازي ||
تبدو الحكاية العراقية وكأنها مُفارقة طويلة بين ما يُقال وما يُعاش ، بين دولة تُكتب في البيانات ، ودولة تُختبر في الشوارع ، وبين وعدٍ دائمٍ بأن الغد أفضل وواقعٍ يصرّ على البقاء في منطقة الانتظار ، وفي قلب هذه المفارقة يتكرر السؤال الذي لم يعد سياسياً فقط بل أجتماعياً وثقافياً أيضاً لماذا يبدو الطريق إلى حكومة وطنية كأنه طريق دائري ، كُلما ظن الناس أنهم أقتربوا من نهايته وجدوا أنفسهم أمام اللافتة نفسها لكن بلون جديد .؟
ليست المُشكلة في أن العراقيين فقدوا الأمل ، فالأمل هُنا يشبه عادة يومية أكثر مما يشبه موقفاً عاطفياً ، المُشكلة أن السياسة أعتادت أن تُدير الوقت لا أن تُدير المستقبل ، وأن تُجيد صناعة التوقعات أكثر من صناعة النتائج ، وهكذا نشأ ذلك المزاج الذي يُوصف أحياناً بالحزين ، لا لأنه يفتقر إلى الحيوية ، بل لأنه يحمل ذاكرة طويلة تعلمت أن تبتسم بحذر ، وأن تُصفق وهي تراقب الساعة .
المشهد السياسي ، إذا ما نظرنا إليه ببرودة تحليلية لا يخلو من الطرافة الثقيلة ، فالجميع يتحدث عن الدولة وكأنها مشروع على وشك الافتتاح ، مع أنها قائمة منذ زمن ، والجميع يعد بالإصلاح وكأنه فكرة جديدة لم تُجرب بعد ، وفي كُل دورة تتبدل العناوين وتبقى المعادلة نفسها “توافقات تُقدم بوصفها حلولاً نهائية ، ثم تتحول مع الوقت إلى أزمات مؤجلة ، وأزمات تُدار بوصفها إنجازات لأنها لم تنفجر بعد” .؟
هذا النمط لم يصنع ثقافة يأس بقدر ما صنع ثقافة يقظة ، مجتمع يراقب أكثر مما يندهش ، ويحلل أكثر مما ينفعل ، لذلك تبدو العلاقة بين المواطن والدولة علاقة تفاوض دائم ، حيث لا تُمنح الثقة دفعة واحدة بل بالتقسيط ، ولا تُسحب فجأة بل تتآكل ببطء ،
وفي هذا السياق يصبح الحديث عن الحكومة الوطنية أشبه بالحديث عن لحظة نضج جماعي ، لا عن قرار سياسي منفرد ، لأن الحكومات لا تولد في صناديق الاقتراع وحدها ، بل في البيئة التي تحيط بها في الاقتصاد ، في الإدارة ، في شكل التوازنات الداخلية والخارجية .
أقتصادياً ، يظل العراق يعيش مُفارقة الدولة الغنية والمجتمع القلق موارد كبيرة تقابلها قُدرة محدودة على تحويل الثروة إلى أستقرار مُستدام ، وهنا يتشكل جُزء مهم من المزاج العام ، إذ لا يكفي أن تتحسن الأرقام إذا لم تتحسن الحياة اليومية ، ولا يكفي أن تُعلن الخطط إذا لم يشعر الناس أن الزمن يتحرك إلى الأمام لا في حلقات مفرغة ، فالتنمية ليست مشاريع فقط ، بل إحساس عام بأن المستقبل يمكن التنبؤ به .
أما سياسياً ، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في تبدل الوجوه ، بل في تبدل القواعد لأن الحكُومات التي تُبنى على توازنات هشة تبقى مشغولة بحماية نفسها أكثر من أنشغالها بتغيير الواقع ، ولهذا يبدو الإصلاح أحياناً وكأنه وعد دائم التأجيل ، ليس لأن الإرادة غائبة بالضرورة ، بل لأن كُلفة التغيير أعلى من كُلفة الاستمرار بالنسبة لكثير من الفاعلين .
ومع ذلك ، فإن التجربة العراقية أثبتت أن المُجتمع يمتلك قُدرة استثنائية على البقاء وإعادة التكيف ، وهي ميزة لا تُقاس بالشعارات ، بل بقُدرة الناس على الاستمرار رغم كُل التحولات ، هذه القدرة هي رأس المال الحقيقي لأي تحول سياسي ، لأنها تعني أن فكرة الدولة لم تفقد معناها في الوعي العام حتى حين تراجعت في الممارسة .
أخيراً وليس آخراً .. لا توجد لحظة سحرية سيستيقظ فيها العراقيون ليجدوا حكومة وطنية مكُتملة الصفات ، فالدول لا تُبنى بالمعجزات ، بل بالتراكم لكن ما يمكن قوله بثقة إن الطريق يصبح أقصر حين تتحول السياسة من فن إدارة التوازنات إلى فن إدارة المصالح العامة ، وحين تُقاس النجاحات بما يتغير في حياة الناس لا بما يتغير في الخطاب .
إن الرسالة الأوضح اليوم للطبقة السياسية ليست دعوة إلى وعود جديدة ، بل إلى أقتصاد في الوعود وإسراف في النتائج ، فالثقة التي تُبنى ببطء يمكن أن تُعيد للدولة هيبتها أكثر من أي خطاب ، والاستقرار الذي يُصنع بالسياسات الرشيدة سيجعل السؤال القديم عن موعد الحكومة الوطنية يبدو ، أخيراً سؤالاً من الماضي لا من الحاضر…!
