عامر جاسم العيداني ||
تعود أزمة ملوحة المياه في البصرة لتفرض نفسها من جديد لكن هذه المرة لا يمكن التعامل معها كحادثة موسمية أو ظرف طارئ ، ان ما يجري اليوم هو نتيجة سنوات طويلة من الإهمال والتردد وسوء الإدارة حتى أصبح سكان المدينة يواجهون المصير ذاته كل صيف ماء مالح ووعود أكثر ملوحة من الماء نفسه.
ان شحة الإطلاقات المائية في شط العرب وتراجع المياه القادمة عبر قناة البدعة ومن سدة العمارة لم يكونا مفاجأة لأحد والجهات المعنية تعرف هذه المشكلة جيدا وتعرف توقيتها وأسبابها ومع ذلك لا تتحرك إلا عندما تصل الأزمة إلى ذروتها ثم تعود إلى سياسة البيانات والاجتماعات التي لا تغيّر شيئا في واقع الناس.
إن اجتماع الحكومتين التنفيذية والتشريعية في البصرة ثم الاكتفاء ببيان تحذيري موجّه إلى الحكومة الاتحادية ووزارة الموارد المائية يكشف حجم العجز في إدارة ملف بهذه الخطورة فالأزمة ليست جديدة ولم تهبط فجأة من السماء بل هي نتيجة تقصير واضح في التخطيط والاستعداد. والأسوأ من ذلك أن الجهات المسؤولة ما زالت تتعامل مع معاناة ملايين المواطنين وكأنها ملف إداري مؤجل يمكن ترحيله إلى الصيف القادم أو إلى مشروع لم يكتمل بعد.
الحكومة الاتحادية تتحمل مسؤولية مباشرة في ما يحدث فالبصرة ليست محافظة هامشية بل هي عمود الاقتصاد العراقي ومصدر النفط والموانئ والتجارة. ومع ذلك تترك المدينة كل عام لتواجه أزمة مياه تهدد صحة سكانها واستقرارها الاجتماعي وان هذا التقصير لم يعد مجرد خلل إداري بل أصبح فشلا واضحا في إدارة أحد أهم الملفات الحيوية في البلاد.
أما الحكومة المحلية في البصرة فلا يمكنها أن تكتفي بدور المراقب أو الناقل للشكوى فالناس انتخبت هذه السلطات لتكون صوتا قويا ومدافعا حقيقيا عن حقوقهم لا مجرد حلقة في سلسلة البيانات الرسمية. إن إدارة محافظة بحجم البصرة تتطلب موقفا حازما وخطة طوارئ حقيقية لا الاكتفاء بالتحذير وانتظار تحرك بغداد.
ولا يمكن إعفاء نواب البصرة في البرلمان من المسؤولية أيضاً فالصمت أو الاكتفاء بالتصريحات العامة لم يعد مقبولا في قضية تمس حياة الناس اليومية وان هؤلاء النواب وصلوا إلى البرلمان بأصوات أبناء المدينة ومن واجبهم اليوم استخدام أدواتهم السياسية والرقابية للضغط الفعلي على الحكومة الاتحادية لا الاكتفاء بالحضور الإعلامي أو البيانات الموسمية.
المشكلة ليست في نقص الحلول فالمختصون يعرفون جيدا ما يجب فعله هو زيادة الإطلاقات المائية بشكل عاجل تنظيم إدارة الموارد المائية ومعالجة الاختناقات الفنية في القنوات وتفعيل خطط الطوارئ قبل اشتداد الحر. لكن ما ينقص فعليا هو القرار الجريء والإدارة الجادة وهنا تكمن المشكلة الحقيقية التي تعيشها البصرة منذ سنوات.
أما الحديث عن مشاريع التحلية التي قد تكتمل في العام القادم فلا يمكن أن يكون مبررا لترك المدينة تواجه صيفا قاسيا بلا حلول فالمشاريع الاستراتيجية مهمة لكنها لا تلغي الحاجة إلى إجراءات عاجلة الآن لا بعد عام أو عامين وان الناس لا تشرب الخطط المستقبلية بل تحتاج ماءً صالحاً اليوم.
إن ما يحدث في البصرة لم يعد مجرد أزمة خدمات بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة على إدارة مواردها وحماية مواطنيها.
وإذا استمرت هذه السياسة القائمة على التسويف وتبادل المسؤوليات فإن الثمن لن يكون سياسيا فقط بل اجتماعيا وصحيا وربما اقتصاديا أيضا.
البصرة اليوم لا تطلب المستحيل بل تطلب حقا أساسيا وهو ماء صالحا للحياة، لكن المؤلم أن هذا الحق ما زال عالقاً بين ملوحة النهر وملوحة الوعود والسؤال الذي يجب أن يقال بصراحة إلى متى تبقى مدينة بحجم البصرة رهينة هذا الإهمال المتكرر؟
فإن لم تتحرك الحكومة الاتحادية والحكومة المحلية والنواب الآن فسيكون الصيف القادم شاهدا جديدا على فشل لا يمكن تبريره بعد اليوم.
