■ الشيخ محمد الربيعي||
السيّدة أم المؤمنين خديجة (عليها السلام) حظيت بمنزلةٍ خاصّةٍ في قلب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد كتبت فضائلها على صفحات الإسلام بتضحياتها وجهادها،
فكثرت مناقبها بحيث لا تُعدّ ولا تُحصى، وعدّت من النساء الكوامل، وقد قلّدها أهل البيت (عليهم السلام) بكوكبةٍ من الأوسمة الرفيعة وكانت فخرًا لهم .
ان السيدة خديجة رضوان الله تعالى عليها كانت من سيدات قريش وأشرافها فكانت تُدعى في الجاهلية بالطاهرة، وكانت جليلة القدر معروفة بكمال العقل عند جميع أهل مكة، وأول امرأة آمنت باَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ.
كان رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ شديد الحب لها، ولم يفتأ يذكرها، ويثني عليها، ولما قالت له إحدى زوجاته : قد أبدلك الله خيرا منها: فغضب وقال: ((لا والله ما أبدلني الله خيرا منها، آمنت بي إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني في مالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها أولادا إذ حرمني أولاد النساء))
محل الشاهد :
السيدة خديجة صاحبة مالٍ وتجارةٍ وثراءٍ عريض، وهذا لم يتوفّر لمعظم النساء في ذلك الوقت، ممّا يعني أنّها تتمتع بشخصيةٍ طموحةٍ ومثابرةٍ وقويةٍ وذكيةٍ ومستقلةٍ وقيادية، وتمتلك مهاراتٍ ممتازةً في التفاوض والتخطيط واتّخاذ القرارات المالية السليمة، وقد كانت تختار بنفسها وكلاء تجارتها. وهو ما جعلها تحوز قدرةً ماليةً كبيرة، وتتمتع بالاستقلال المادي؛ ولذا سمّيت (سيّدة قريش).
وان السيدة خديجة كانت منفتحة ذهنيًا على القضايا العقائدية والفكرية لعصرها، من خلال محيطها العائلي المقرّب منها (ابن عمها ورقة ابن نوفل، وأخته قتيلة بنت نوفل) ، فالاهتمامات العقائدية والدينية لم تكن غريبةً على الوسط الذي عاشت فيه، وشخصيتها مؤهّلة لذلك؛ ممّا أتاح لها أنْ تكون أكثر سلامًا مع نفسها ومع قناعاتها. وهو ما جعلها حنفيةً لم تعبد الأوثان.
و كانت كاملة الوصف حتى في أيّام صباها، فلم تكن فتاةً مغرورةً، ولا متكبرةً ولا مدللةً ولا عصبيةً بالرغم من المال والجمال والحسب والنسب، بل كانت تتمتع بأخلاقٍ عاليةٍ وعقلٍ راجح ٍوطباعٍ هادئةٍ وقلبٍ طيب، كانت كريمة اليد شديدة العطف على الفقراء، ولا ترد من يأتيها لصدقة أبدًا، وهو ما جعلها من خير نساء العالمين ومن سيدات نساء أهل الجنة .
حباها الله بدرجةٍ عاليةٍ من الجمال، إلا أنّها لم تستغله في تجارتها، بل كانت لا تخالط الرجال ولا تصافحهم، أنّما كانت تبعث خادمها، بل كانت تضع الحجاب على رأسها وتستر بدنها بالكامل، وهو ما جعلها تكنى في الجاهلية بـــ (الطاهرة) لشدّة عفافها وشرفها.
عناصرها الذاتية المتميزة كلّها جعلت منها امرأةً ذات شخصيةٍ مستقلةٍ وقويةٍ ومتفرّسةٍ،
وذات مكانةٍ اجتماعيةٍ مرموقةٍ في قريش، وما بذلها للجهود الكبيرة في سبيل الدعوة الإسلامية إلّا انعكاس لإيمانها الصادق وتركيبة شخصيتها الفريدة، ممّا كان له بالغ الأثر في علاقتها مع النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وسلوكها معه. وممّا يؤسف له أنّ هذه الجوانب من شخصية السيدة خديجة (عليها السلام) لم تحظَ بالعناية الكافية من قبل المؤرّخين والباحثين، وظلّت مطموسةً مغمورةً حتى الآن، لا بحكم قلة المعطيات وندرة المعلومات فحسب، وإنّما بحكم غاياتٍ سياسيةٍ وأهدافٍ مذهبية أيضًا
محل الشاهد :
لا نعثر على معلوماتٍ تذكر مصير تجارتها (عليها السلام) بعد زواجها من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فهل توقف نشاطها التجاري وتقلص أم استمر وازدهر؟ وهل شارك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في تجارتها بعد الزواج، وما هو حجم دوره؟ وهل سافر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بعيدًا عن مكة بغرض التجارة، وإلى أين؟ لا تشير كتب التاريخ والسيرة إلى أخبار أو معطيات في ذلك.
ومن هنا فنحن لا نشك في وجود فراغٍ كبيرٍ في كتب التاريخ عن حياة السيدة خديجة (عليها السلام)، وسيرتها بعد الزواج من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقبل البعثة، وكذلك دورها في المرحلة المكية من تاريخ الإسلام، وتشح الأخبار والمعلومات فيها، وتنحصر في شذراتٍ متفرقةٍ هنا وهناك في بعض كتب القدامى. لكن غياب المعلومات لا يمنعنا من طرح عددٍ من التساؤلات في ما يخصّ هذه المرحلة المهمة من حياة السيدة خديجة (عليها السلام)، أي بعد الزواج، وقد دامت خمس وعشرين سنة.
فهذه الفترة في الواقع هي: مرحلة التأسيس والأعداد الجدي للرسالة الإسلامية، والتي انطلقت بعدها قافلة الإسلام باتجاه التوسع والانتشار، والغريب في الأمر أنّ المؤرّخين والرّواة عوض العناية بهذه المرحلة نراهم أهملوها رغم أنّها حاسمة. فهل نعلم أو لدينا أيّ تصورٍ عن العلاقة بين الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وخديجة (عليها السلام) طوال المدة التي سبقت البعثة، حتمًا أنّها لا تقف عند حدود العلاقات العائلية العادية،
بل إنّنا نتصورها حبلى بالأحاديث والحوارات حول واقع قريش والعرب والعالم في جانبهم الروحي والعقائدي والأخلاقي والاجتماعي، وما يجب القيام به تجاه ذلك، وفي هذه المرحلة بالذات نخمن تكوين الجانب الروحي والعقائدي في شخصية السيدة خديجة (عليها السلام).
وفي هذا الإطار فإنّ التعليمات والتوجيهات أو الدروس التي قدّمها النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) للسيدة خديجة (عليها السلام)، هي التي أخذها لأنْ تكون أول النساء إيمانًا بالرسالة والنبوة والإمامة وإقامة الصلاة جهرًا، ودفعها بكل حرية وباختيارها وبملء إرادتها للتضحية بكلّ ثروتها في سبيل الدعوة الإسلامية في بدايتها، فمن المؤسف ألّا نجد ذكرًا في كتب التاريخ لهذه العلاقة أو معلومات ومعطيات عنها، وهو ما يدعو إلى الاستهجان والاستغراب!
مما يدفعنا إلى إثارةٍ استفهامٍ جوهري: لمّا كانت أخبار ومعلومات المصادر التاريخية قليلة جدًا جدًا حول السيدة خديجة (عليها السلام) وخاصة حول حياتها بعد الزواج، يصعب علينا التعرف على مفاصل حياتها في هذه المرحلة؛ ولذا بقيت غامضةً ومجهولةً لا نعرف عنها شيئًا، لكن لماذا هذا التغييب؟! وهل هذا الإغضاء عن هذه المدة مقصودٌ ومفتعلٌ أم ماذا؟
النتيجة :
ان السيدة خديجة برغم من قلة ماوصلنا من تأريح ، هي مثال للمراة التي بذلت الغالي ونفيس في سبيل الحق رسالة الاسلام و ترك كل ترف و الراحة في سبيل اعلاء لا اله الا الله ، وانها ذهبت شهيدة عزيزة النفس والموقف وصلابة ولم تتنازل عن عقيدتها والتزامها الحق ، وبذلك هي شهيدة الحق في سبيل نصرة الحق ….
اللهم احفظ الاسلام والمسلمين
اللهم احفظ العراق واهله
