عبد الرحمن المالكي ||
في كل عام، يحلّ العيد بعد شهرٍ من الطاعة والعبادة، حاملاً معه معاني الفرح والسكينة، ومعبّراً عن ختام رحلةٍ إيمانية عظيمة، غير أنّ هذا الموسم المبارك يتقاطع مع ظروفٍ مؤلمة تعيشها الأمة، حيث ترتفع أصوات بعض الأشخاص داعيةً إلى عدم استقبال التهاني والتبريكات، تعبيراً عن الحزن على الشهداء الذين ارتقوا في ساحات المواجهة، سواء في العراق أو إيران أو ضمن صفوف الحشد الشعبي وحزب الله.
ويستند هؤلاء إلى رمزية الشهادة، مستحضرين تضحيات شخصيات ومجاهدين وعلى رأسهم السيد الشهيد القائد الخامنئي ( قدس سره)
لكن هذا الطرح، على وجاهة الدافع العاطفي فيه، يحتاج إلى وقفةٍ متوازنة، فالعيد في جوهره شعيرة دينية عظيمة، شرّعها الله تعالى لتكون محطة فرحٍ مشروع بعد إتمام فريضة الصيام.
وقد حرص الإسلام على إظهار هذه الفرحة ضمن حدود الاعتدال، حيث يحرم الصوم في يوم العيد ومن خلال أداء صلاة العيد واللقاء بين المؤمنين، وتبادل التهاني، وصلة الأرحام، وإدخال السرور على القلوب.
إن الفرح في العيد لا يتناقض مع الوفاء للشهداء، بل يمكن أن يكون تعبيراً عن استمرارية الحياة التي ضحّوا من أجلها هؤلاء القادة العظام الذين يجب علينا ان نستذكرهم ونبين الطريق الذي سلكوه والأهداف العالية التي ضحوا بنفسهم من اجلها.
فالشهداء لم يقدّموا أرواحهم ليُطفأ نور الحياة في وجوه الناس، بل ليبقى الأمل حياً، وتبقى القيم التي دافعوا عنها حاضرة في المجتمع.
وعليه، فإن الاعتدال هو السبيل الأمثل: لا إفراط في مظاهر الفرح بما يخالف العرف أو الشرع، ولا تفريط يُحوّل العيد إلى مناسبة حزنٍ دائم، يكفي أن نُظهر البهجة بقلوبٍ مؤمنة، وابتسامة صادقة، وكلمة طيبة، مع استذكار الشهداء بالدعاء والوفاء لسيرتهم.
إن الجمع بين الفرح المشروع والوفاء الصادق هو ما يعكس نضج الوعي الديني والاجتماعي، ويجعل من العيد مناسبةً متكاملة، نُحيي فيها الشعائر، ونصون فيها القيم، ونحفظ فيها دماء الشهداء في ذاكرة الأجيال.
