سمير السعد
لم يعد العالم اليوم يخشى الحروب بقدر ما يخشى القرارات الفردية التي تشعلها. فحين تتحول الحرب إلى زر يُضغط في لحظة غضب، يصبح مصير الشعوب معلقاً بمزاج شخص واحد، لا بإرادة مؤسسات أو قوانين أو رقابة دستورية. وعندها، لا يعود الحديث عن نظام دولي أو شرعية أو توازن قوى سوى عبارات جميلة في خطابات الدبلوماسية.
المفارقة الساخرة أن الدولة التي تقدّم نفسها للعالم بوصفها نموذجاً للمؤسسات والدستور وحرية الصحافة، لا تتردد في القفز فوق كل ذلك عندما يتعلق الأمر بالحرب. فقرار إشعال صراع جديد قد يتحول فجأة إلى مسألة شخصية، يُتخذ تحت ضغط اللحظة أو اندفاع السياسة أو حسابات القوة، وكأن العالم ساحة اختبار وليست أوطاناً يسكنها بشر.
هنالك من يدين فصائل المقاومة ويصفها بأنها تتصرف خارج إطار الدولة وتجر بلدانها إلى صراعات بقرارات منفردة، لكن المفارقة أن المشهد لا يبدو مختلفاً كثيراً عندما تفعل دولة عظمى الشيء ذاته، وإن ارتدت ثوب “الديمقراطية” ورفعت شعارات المؤسسات. فالنتيجة في الحالتين واحدة: قرار فردي بالحرب، ومدن تُقصف، وشعوب تُترك تدفع فاتورة الصراع.
لقد شاهد العالم في العقود الأخيرة كيف شُنت حروب تحت عناوين براقة مثل نشر الحرية أو حماية الأمن الدولي، لكن ما بقي بعد انقشاع الدخان كان شيئاً آخر تماماً .. دول أنهكتها الفوضى، ومجتمعات أعيد تشكيلها بالقوة، وخرائط سياسية تتغير غالباً وفق مصالح النفوذ والطاقة أكثر مما تتغير وفق مبادئ القانون الدولي.
ولا يبدو أن هذا المسار قد توقف. فحين تبقى القوة العسكرية اللغة الأكثر إستخداماً في السياسة الدولية، يصبح احتمال اندلاع حرب جديدة أمراً وارداً في أي لحظة. اليوم حرب، وغداً أخرى، وربما ثالثة، وكل ذلك تحت عناوين مختلفة تخفي في جوهرها صراع الهيمنة والمصالح، ومن بينها بلا شك السيطرة على منابع النفط وممرات الطاقة.
أما ما يجري اليوم في ساحات متعددة من العالم — من الحرب على إيران، إلى ما حدث في غزة، مروراً بفنزويلا وبلدان أخرى تعرّضت للتهديد لأنها لم تُبدِ الطاعة أو تنحنِ أمام إرادة القوة — فيكشف بوضوح حجم الخلل في ميزان العدالة الدولية. تتغير الاتهامات بتغيّر المصالح .. فشخصيات كانت تُلاحق بتهم الإرهاب وتُرصد المكافآت لمن يعتقلها أو يتخلص منها، تتحول فجأة إلى حلفاء بمجرد تبدّل الحسابات السياسية، وكأن الاتهامات تُمحى بقرار، وكأن جهة واحدة تملك دور المحكمة الدولية والقاضي معاً .
كل ذلك يجري في ظل انتهاكات واضحة للقانون الدولي والأعراف التي يُفترض أنها تنظّم العلاقات بين الدول. لكن السؤال الذي يبقى معلقاً فوق هذا المشهد .. من يردع من يملك القوة؟ ومن يحاسب من يتصرف كأنه القانون ذاته؟
المفارقة أن من يحمل سلاحه دفاعاً عن وطنه أو سيادته يُصنَّف خارج القانون… لكن وفق قانون من؟ قانون العدالة الدولية، أم قانون القوة الذي يكتبه الأقوياء ثم يطلبون من الآخرين الالتزام به؟ ..
