جعفر العلوجي ||
زيارة القائد العام للقوات المسلحة محمد شياع السوداني إلى هيئة الحشد الشعبي لم تكن بروتوكولا عاديا، هي رسالة سياسية مشفرة بلغة الميدان تقرأ بوضوح في الداخل والخارج الدولة تقف حيث صمدت الدماء لا حيث تكتب التقارير المعلبة .
في لحظة إقليمية مشحونة، جاءت التصريحات الصادرة عن وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان آل سعود لتعيد انتاج خطاب قديم يحاول تفسير الواقع العراقي من خلف زجاج العواصم البعيدة، لكن الرد هذه المرة لم يكن دبلوماسيا باردا، وانما كان ساخنا بقدر حرارة المواجهات التي خاضها العراقيون ضد الإرهاب، حين كان الآخرون يكتفون ببيانات القلق .
بيان الحشد لم يكتفِ بالرد انما كسر الاطار التقليدي للخطاب السياسي مستخدما لغة ساخرة لاذعة تحاكي حجم الفجوة بين من عاش المعركة ومن قرأ عنها وعندما شبه الوزير بـ”شيء يشبه القندس” لم يكن ذلك مجرد إساءة لفظية، بل تعبيرا عن فقدان الثقة بكل خطاب يبنى على معلومات مشوهة أو موجهة .
الحشد الشعبي الذي ولد من رحم فتوى الجهاد الكفائي، لم يكن يوما مشروعا خارجيا كما يراد تصويره، كان استجابة عراقية خالصة لانهيار أمني كاد يبتلع الدولة في تلك اللحظة لم تكن المعركة نظرية، كانت مسألة وجود حيث امتزجت الفتوى بالدم والقرار الشعبي بالفعل الميداني .
المفارقة الصارخة أن من يتحدث اليوم عن تأثيرات سلبية للحشد يتجاهل عمدا أن هذه القوة كانت السد الذي وقف بوجه تنظيم داعش حين كانت مدن بأكملها تسقط تباعا .
السؤال الذي يتجنبه الخطاب الخارجي ماذا لو لم يكن الحشد موجودا ؟
زيارة السوداني جاءت لتجيب عمليا الحشد جزء من المنظومة الأمنية ومن الذاكرة الوطنية أيضا وبالتالي فان أي استهداف له، هو استهداف لرواية الانتصار العراقية نفسها
المقالة هنا لا تدافع بقدر ما تذكر العراق لا يفهم من خارج حدوده ولا يختزل بتقارير تكتب في غرف مكيّفة من يريد أن يتحدث عن الحشد، عليه أولا أن يقرأ أسماء الشهداء لا عناوين الصحف .
في النهاية قد تختلف اللغة وقد يحتدم الخطاب لكن الثابت أن معادلة العراق تغيرت لم يعد ساحة لتبادل التصريحات، انها دولة ترسم خطوطها بدم أبنائها وترد حين يلزم الرد من قلب الميدان لا من هوامش السياسة
