جاري تحميل ... مدونة المرجل

الاخبار

إعلان في أعلي التدوينة

الصفحة الرئيسية غير مصنف ازدواجية العروبة: من الدوحة إلى الفاشر..!

ازدواجية العروبة: من الدوحة إلى الفاشر..!

حجم الخط

 

حسين سالم ||

‏قليلون هم الذين ما زالوا يصدّقون أن “العروبة” خطابٌ نقيّ، منزّه عن السوق والمصالح، لم تلوثه حسابات النفط ولا خرائط النفوذ، وأزعم أن هذا التصديق لم يعد سوى رفاهٍ ذهني، يُستهلك في المقاهي أكثر مما يُختبر في ساحات الدم. ولعلّ النموذج الأكثر فجاجة، ليس ذاك الذي يعلن خيانته، الذي يتقن أداء البطولة وهو غارق حتى أذنيه في التناقض.

‏يظهر الرجل – خميس الخنجر – في لحظة مدروسة، ليُدين استهداف إيران لحقول الغاز القطرية، بلهجة مشبعة بالعروبة، عالية النبرة، مكتملة الأداء، حتى ليخيل للمتلقي أن التاريخ استعاد أحد فرسانه. غير أن السؤال النقدي، هنا، لا يخصّ صحة الموقف بقدر ما يخصّ طبيعته: هل نحن أمام مبدأ… أم أمام عرضٍ مسرحي؟

‏إن أصعب ما يواجهه المتلقي، ليس تمييز الخطأ من الصواب، تفكيك هذا “الصواب المزيّف” الذي يُقدَّم بمهارة لغوية وأخلاقية، فيما هو في جوهره انتقائي، براغماتي، مشروط بلون الدم ومصدر الثروة.

‏فحين نغادر الدوحة، وننزل قليلاً جنوبًا، حيث الفاشر… حيث السودان، حيث العرب الذين لا يملكون رفاهية الغاز ولا عدسات الإعلام… تتبدل النبرة، وتُطوى الرايات، ويصمت “العروبي” أو – وهذا الأشد فجاجة – يتحول إعلامه إلى جوقة تبرير.

‏هناك، في الفاشر، لم تكن المجزرة وجهة نظر. لم تكن حدثًا قابلاً للتأويل. كانت دمًا صريحًا، وتهجيرًا مكشوفًا، ومرتزقة عابرين للقارات، جاؤوا لا ليحموا إنسانًا، ليؤمّنوا ذهبًا.

‏ومع ذلك، لم نرَ العروبة تصرخ. لم نرَ البيانات تُكتب بذات الحماسة. رأينا شيئًا آخر… هاشتاغًا باردًا، مريبًا، يرفع شعار: “الإمارات اليد البيضاء”!

‏وهنا، لا يعود السؤال أخلاقيًا فقط، معرفيًا أيضًا: ما الذي يجعل المجزرة تُغسَل إعلاميًا؟ وما الذي يجعل الدم يُعاد تعريفه وفق هوية الضحية؟

‏أدّعي أن المشكلة لا تكمن في “ازدواجية موقف”، في بنية خطابٍ كامل، يعيد تعريف العروبة بوصفها امتيازًا، لا انتماءً. عروبة تُقاس بلون البشرة، لا باللغة. وبحجم الثروة، لا بحجم المأساة. وباسم الدولة، لا باسم الإنسان.

‏إن هذا النمط من الخطاب، لا ينتج مواقف، يصنع أقنعة. والأقنعة، كما نعلم، لا تُلبس لإخفاء القبح فقط، لتسويقه أيضًا.

‏لذلك، حين يقف “العروبي” مدافعًا عن قطر، هو لا يدافع عن عروبةٍ مهددة، عن منظومة مصالح متشابكة، يجد نفسه جزءًا منها. وحين يصمت – أو يبرر – في السودان، فهو لا يخطئ التقدير، يلتزم بدقة الدور.

‏ومن هنا، يصبح التفريق بين “عرب الدوحة” و”عرب الفاشر” ليس زلة لسان، خلاصة وعي مشوّه، يعيد ترتيب البشر وفق سلّم غير معلن: في أعلاه، العربي الثري اللامع… وفي أسفله، العربي المنسي، الذي لا يُسمع صوته إلا إذا صرخ خارج الجغرافيا.

‏في النهاية، لا يمكن تبرئة هذا الخطاب من بعده البراغماتي الصرف، ولا يمكن التعامل معه كخطأ عابر في التقدير السياسي. إنه نموذج مكتمل لصناعة الوهم الأخلاقي، حيث تُستخدم القيم كأدوات، لا كمبادئ، ويُعاد تدوير المفاهيم وفق ما تقتضيه اللحظة.

‏وعزاؤنا الوحيد، أن هذه الأقنعة – مهما أتقنت أداءها – تظل عاجزة عن إخفاء سؤال بسيط، لكنه قاتل: ما الفرق بين عربيٍ يُدافع عنه الإعلام… وعربيٍ يُدفن بصمت؟


التصنيفات:
تعديل المشاركة
Reactions:
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال