جاري تحميل ... مدونة المرجل

الاخبار

إعلان في أعلي التدوينة

 


الشيخ حسن عطوان ||


ونحن في ليلة القدر ، وهي ليلة عبادة ودعاء ، أضع بين أيدي أحبتي كلاماً لإبن فهد الحلي في غاية الأهمية ، فبعد أنْ نقل رواية عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال فيها :

( مَن تمنى شيئاً وهو لله رضاً لم يخرج من الدنيا حتى يعطاه ) .

ونقل عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلَّم ) أنّه قال :

( إذا دعوت فظن حاجتك بالباب ) .

قال ما مفاده : فإنْ قلت : نرى كثيراً من الناس يدْعون الله فلا يجيبهم فما معنى قوله تعالى :

( وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ ) ؟؟

فالجواب : سبب منع الإجابة الإخلال بشروطها من طرف السائل ، إمّا بأنَّ يكون قد سئل الله عز وجل غير متقيد بآداب الدعاء ولا جامع لشرائطه .

روى عثمان بن عيسى عمّن حدثه عن أبي عبد الله ( عليه أفضل الصلوات والسلام ) أنّه قال :

( قلت : آيتين في كتاب الله أطلبهما [ أي : أريد معرفة مضمونهما ] ولا أجدهما

قال : ما هما ؟

قلت : قول الله عز وجل :

( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ )

فندعوه فلا نرى إجابة ، قال ( عليه السلام ) أَفَتَرى الله اخلف وعده ؟ قلت : لا ،

قال : فلم ذلك ؟

قلت : لا ادري .

فقال ( عليه السلام ) ولكنّي أخبرك ، مَن أطاع الله فيما أمره ثم دعاه من جهة الدعاء اجابه ، قلت : وما جهة الدعاء ؟؟

قال ( عليه السلام ) : تبدأ فتحمد الله وتذكر نعمه عندك ثم تشكره ، ثم تصلي على النبي وآله ثم تذكر ذنوبك فتقر بها ، ثم تستغفر الله منها فهذه جهة الدعاء .

ثم قال ( عليه السلام ) وما الآية الأخرى ؟؟

قلت : قول الله عز وجل :

( وَ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَ هُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ )

وإنّي لأنفق ولا أرى خلفاً ، قال : أَفَتَرى الله اخلف وعده ؟ قلت : لا ، قال : فَلًمَ ذلك ؟؟

قلت : لا ادري .

قال ( عليه السلام ) : لو أنَّ أحدكم اكتسب المال من حِلّه وانفقه في حقّه ، لم ينفق رجل درهماً إلّا اخلف عليه ) .

وإمّا أنْ يكون قد سئل ما لا صلاح فيه ويكون مفسدة له أو لغيره ، إذ ليس أحد يدعو الله سبحانه وتعالى على ما توجبه الحكمة فيما فيه صلاحه إلّا اجابه ، وعلى الداعي أنْ يشترط ذلك بلسانه [ أي : يشترط ما فيه صلاحه ] أو يكون منوياً في قلبه فالله يجيبه البتة إنْ اقتضت المصلحة اجابتها ، أو يؤخر له إنْ اقتضت المصلحة التأخير .

قال الله تعالى :

( وَ لَوْ يُعَجِّلُ اللَّـهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) .

ولمّا كان علم الغيب منطوياً عن العبد ، وربما تعارض عقله القوى الشهوية ، وتخالطه الخيالات النفسانية فيتوهم أمراً فيه فساده صلاحاً فيطلبه من الله سبحانه ويلح في السؤال عليه ، ولو يعجل الله اجابته ويفعله به لهلك .

وهذا أمر ظاهر العيان غنيٌّ عن البيان كثير الوقوع ، فكم نطلب أمراً ثم نستعيذ منه ، وكم نستعيذ من أمر ثم نطلبه ، وعلى هذا خُرّج [ خرّج المسألة بالتشديد : وجهّها أي بيّن لها وجهاً أقرب ] قول علي عليه السلام : ( ربّ أمر حرص الانسان عليه فلمّا أدركه ود أنْ لم يكن أدركه ) .

وكفاك قوله تعالى :

( وَ عَسى‏ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ عَسى‏ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَ اللَّـهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) .

فإنَّ الله تعالى من وفور كرمه وجزيل نعمه لا يجيبه إلى ذلك إمّا لسابق رحمته به فإنّه هو الذي سبقتْ رحمته غضبه وإنما أنشأه رحمة به وتعرضاً لاثابته ، وهو الغني عن خلقه ومعاقبته ، أو لعلمه سبحانه بأنَّ المقصود للعبد من دعائه هو اصلاح حاله ، فكأنَّ ما طلبه ظاهراً غير مقصود له مطلقاً بل بشرط نفعه له ، فالشرط المذكور حاصل في نيته وإنْ لم يذكره بلسانه ، بل وإنْ لم يخطر بقلبه حالة الدعاء هذا الشرط ، فهو كالأعجمي الذي لُقّن لفظاً لا يعرف معناه ثم طلبه من عارفٍ بقصده فإنّه يعطيه ما علم قصده إليه لا ما دل ظاهر لفظة عليه * .

ليلة قدر مباركة .


تعديل المشاركة
Reactions:
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال