د. عامر الطائي ||
كنا نسمع في السبعينات قصصاً عن “عصر التنمية”. كانت الأيدي العاملة تأتينا من كل حدب وصوب، والمشاريع الكبرى تملأ الخارطة، والميزانية -حينها- كانت تفيض عن حاجة العراقيين. لكن، وبلمحة عين، تحول هذا الحلم إلى وقود للحرب.
1. تبديد الثروة في “حروب لا تنتهي”
الخطيئة الكبرى لم تكن في شن الحرب فحسب، بل في “عقلية الاستنزاف”. النظام لم يعامل النفط كأمانة للأجيال القادمة، بل اعتبره “ماكينة تمويل” لآلة عسكرية لا تتوقف. بدل أن نبني المستشفيات والمصانع التي كان من المفترض أن تنافس دول الجوار، صُهرت كل هذه الأموال في أفران المدافع ومخازن السلاح. لقد سرقوا المستقبل، وأنفقوه على “أم المعارك” وأخواتها.
2. العراقي.. من بانيٍ إلى “مشروع شهيد”
أبشع ما فعله النظام هو تغيير “وظيفة العراقي” في الحياة. في البدء، كان الشاب العراقي يتخرج ليحلم بمنزل وعائلة وعمل، لكن سرعان ما أصبح حلمه الوحيد هو النجاة من “دفتر الخدمة العسكرية”. تحول الملايين من الشباب إلى أرقام في قوائم المفقودين أو القتلى. هذه ليست مجرد خسارة بشرية، بل هي “عقم وطني”؛ لأن أجيالاً كاملة لم تأخذ فرصتها في الإبداع أو البناء، بل قُطفت في ربيعها لتُدفن في صحاري لا ناقة لنا فيها ولا جمل.
3. الاقتصاد الموازي (السوق السوداء)
حين بدأت العقوبات والحصار، أدرك النظام أن الشعب يغلي، فبدأ بتفكيك “هيبة الدولة” الاقتصادية. خلقوا اقتصاداً قائماً على التهريب والولاءات. من كان يملك السلطة، كان يملك الغذاء. ومن كان يملك الولاء، كان يملك الرفاهية. هذا النظام الاقتصادي المريض جعل من “الفساد” مهنة ومن “الوصولية” وسيلة للبقاء. وما نراه اليوم من اختلالات في بنية المجتمع العراقي هو “ورم” ظهر في تلك الحقبة، حين تعود الناس على أن الرزق لا يأتي بالعمل، بل بالانتماء للحلقة الأقوى.
كلمة أخيرة في هذه الحلقة:
لقد جعلوا منا شعباً يلهث خلف “الخبز” بعد أن كنا نعيش في “البحبوحة”. لقد أفرغوا جيوبنا من المال، لكن الأدهى من ذلك أنهم أفرغوا قيمتنا كبشر من معناها؛ فصار العراقي يرى في أخيه منافساً على “رغيف”، بينما كان الأصل أن نكون شركاء في “وطن”.
