د. احمد الشامي ||
ما أشبه المضيق المائي في الخليج الفارسي بذاك المضيق الذي أحدثه الله لنبيّه موسى (ع)، فبينما كان من أجل نجاته، كان في الوقت عينه مجالاً للفرعون من أجل هلاكه.
يلتقي الطواغيت على خاصيّة مشتركة، وهي أنّ هلاكهم يرتبط باستعلائهم وتجبّرهم، ففرعون ذاك الزمان رأى بأمّ عينيه هذا الفعل الإعجازي الكبير، ومع ذلك، أعمت طاغوتيته بصيرته فاندفع نحو خصمه للقضاء عليه، فكان هلاكه.
يبدو بأنّ الفراعنة لا يعتبرون، وفيما فرعون مصر قد تخلّى في لحظة ضعفه عن ألوهيته فآمن برب موسى(ع) أملاً بخلاصه، لا يزال فرعون أمريكا يستشعر قوّته جاعلاً من نفسه الإله أملاً بانتصاره.
متغيّر أساس يبرز في هذا الزمن بأنّ مسرح أحداثه لا يقتصر على الفرعون الأمريكي وحده، وإن كان يريد أن يستأثر بذلك ويجرّ العالم نحو خياراته، لكن معطيات الواقع تشير إلى أنّ دولاً تُحسب على مُعسكره تحاول أن تحيّد نفسها عن خياراته الانتحاريّة.
إنّما يجدر عدم التعامل مع ترمب باستخفاف، فإذا لم يحصل أمر ما في الداخل الأمريكي يفرمل اندفاعاته الخطيرة في الميدان، فإنّه كما نتنياهو قد اتخذوا قرارهم بأنّهم إمّا أن يخرجوا من الحرب منتصرين -أو- بأقل التقدير غير مهزومين، أو أن يجرّوا العالم معهم نحو الهاوية.
العالم يمرّ في أيّام مصيريّة هي الأخطر بتاريخه الحديث، سوف تكشف عن مستوى العقلانيّة التي يجاهر بها، فقد دفعت الشعوب أثماناً باهظة من أمنها ورفاهيتها، بسبب الثنائية القطبيّة، ومن ثم الأحاديّة المهيمنة، فالكون يسع بمقدّراته الهائلة هذا التعدد الواسع بتكتلاته السياسيّة والاقتصاديّة.
العقلانيّة تعني بوضوح الحجر على الفراعنة المجانين، وليس التعايش معهم، وإلّا فإنّ التاريخ يعيد نفسه حيث سيلتهموا بحروبهم العُنفيّة والدمويّة ما أنتجه العقل البشري من بنى حضاريّة بدأت تؤسّس لهذا العالم الذي يتطلّع نحو العدالة بوصفها الخلاص الوحيد.
وفيما الاعتقاد الراسخ لدى جميع المعتقدات بأنّ البشريّة على موعد مع خلاص حتميّ موعود، لكنّ ذلك يرتبط بمقدّمة أساسيّة تتمثل بمحاصرة النزعة الطاغوتيّة وكسرها، وإلّا فإنّ هذا الأمل سيبقى مجرّد وعد يَنتظر ظروف تحققه.
