الدكتور حسين القاصد ||
ليس من اليسير أن تُختزل سيرةُ ناقدٍ ثقافيٍّ في سطور، وهو الذي جعل من النقدِ مشروعَ وعيٍ، ومن الكلمةِ أداةَ كشفٍ لطبقات المعنى الخفيّة. إننا أمام تجربةٍ لا تكتفي بوصف الظواهر، بل تنفذ إلى أعماقها، لتفكّك أنساقها وتعيد بناءها في ضوء رؤيةٍ ثقافيةٍ حديثةٍ تجمع بين الصرامة العلمية وجرأة الطرح.
هو أستاذُ النقد الثقافي والنقد الحديث في الجامعة المستنصرية / كلية الآداب / قسم اللغة العربية، وُلد في بغداد في الثاني من أيار عام 1969، فكان ابن المدينة التي علّمته أن الثقافة ليست ترفاً، بل ضرورة وجود.
يُعدّ من روّاد النقد الثقافي في العالم العربي، إذ أسهم في ترسيخ هذا الحقل المعرفي تنظيراً وتطبيقاً، واضعاً بصمته الخاصة في قراءة النصوص بوصفها أنساقاً ثقافية تتجاوز ظاهر اللغة إلى ما تضمره من دلالاتٍ وسياقات.
شغل مواقع ثقافية وإدارية مؤثرة، فكان مديراً عاماً لدار الشؤون الثقافية العامة في وزارة الثقافة، كما عمل في مكتب وزير التعليم العالي والبحث العلمي أربعة أعوام، جامعاً بين الرؤية الأكاديمية والعمل المؤسسي.
نال درجة الماجستير في الأدب العباسي من كلية الآداب بجامعة بغداد عن أطروحته في شعر ابن الشبل البغدادي، ثم حصل على الدكتوراه في الأدب الحديث من كلية التربية بجامعة القادسية، عن دراسته المعمّقة في علاقة الشاعر بالسلطة في العراق (1908–1979)، وهو اختصاص دقيق في النقد الأدبي الحديث، كشف من خلاله عن التوتر الخفي بين الإبداع وسلطة الخطاب.
حضر اسمه في المشهد الثقافي بوصفه فاعلاً ومؤسساً، فهو عضو في اتحاد الكتّاب العرب، واتحاد الأدباء والكتّاب في العراق، وعضو المجلس المركزي فيه، كما أسّس نادي الشعر في العراق وترأس دورته الأولى. وأسهم في لجان ثقافية وعلمية عليا، منها لجنة جائزة الإبداع، ولجنة توثيق جرائم البعث، فضلاً عن رئاسته لمجلة “آفاق أدبية”، ومشاركته في مشروع بغداد عاصمة الثقافة العربية.
أما حضوره الأكاديمي، فقد تجلّى في عضويته باللجان العلمية والدراسات العليا في الجامعة المستنصرية، إلى جانب نشاطه الدولي في مجلات علمية محكّمة وهيئات استشارية في الجزائر والهند ولبنان، مما يعكس امتداد تأثيره خارج الحدود الوطنية.
وقد ترك نتاجاً معرفياً غزيراً، تنوّع بين التأليف والتحقيق والإعداد، فصدرت له أعمال رائدة في النقد الثقافي، منها:
“النقد الثقافي ريادة وتنظير وتطبيق”، و”الجريمة الثقافية في العراق”، و”النقد الثقافي بين الجماليات والقبحيات”، و”البيداغوجيا والنقد الثقافي”، وصولاً إلى أحدث أعماله مثل “أسئلة النقد الثقافي” و”الواقعية الثقافية” و”قيامات النزوح”. كما أسهم في إحياء تراث العلامة الدكتور محمد حسين الأعرجي عبر جمع أعماله وتقديمها.
ولم يقتصر عطاؤه على التأليف، بل أغنى المكتبة العربية ببحوث محكّمة تناولت قضايا معاصرة في النقد والتداولية والأنساق الثقافية، إضافة إلى مشاركاته في مؤتمرات ومهرجانات عربية ودولية، من الكويت وأبو ظبي إلى السويد وبرلين وتونس وسورية، وصولاً إلى معارض الكتب في القاهرة والجزائر.
حاز تكريمات عديدة، منها درع مؤسسة البابطين، ودرع وزارة التعليم العالي، فضلاً عن جلسات تكريمية في أوروبا، تقديراً لمنجزه الشعري والنقدي.
وقد امتد تأثيره إلى الحقل الأكاديمي، حيث أُنجزت دراسات جامعية حول تجربته، واعتمدت مؤلفاته ضمن مناهج الدراسات العليا في عدد من الجامعات العربية، مما يؤكد رسوخ مشروعه النقدي وأثره في الأجيال الجديدة.
خاتمة
إن هذه السيرة ليست مجرد توثيق لمسار علمي، بل شهادة على تجربةٍ جعلت من النقد الثقافي أفقاً لقراءة الواقع، ومن الكلمة مسؤوليةً أخلاقية قبل أن تكون إنجازاً معرفياً. إنها سيرة عقلٍ لم يكتفِ بأن يرى، بل أصرّ أن يُبصّر.
اعداد غني العواد
