جاري تحميل ... مدونة المرجل

الاخبار

إعلان في أعلي التدوينة

الصفحة الرئيسية غير مصنف نفحات الرضوان في ظلال عشر ذي الحجة وعرفات الله وضيوف الرحمن..!

نفحات الرضوان في ظلال عشر ذي الحجة وعرفات الله وضيوف الرحمن..!

حجم الخط

 


نبيل الجمل || 


تتجه أرواح المؤمنين في هذه الأيام المباركة نحو آفاق من النور، حيث تتجلى رحمة الخالق في عشرٍ هي غرة الزمان وفخر الأيام، إنها الأيام التي نوه الله سبحانه وتعالى بفضلها في كتابه الكريم في مواضع عدة، ومن ذلك القسم بلياليها حين قال تعالى: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ}، ولقد ذهب جمهور المفسرين إلى أنها عشر ذي الحجة، وكأن الفجر لا يشرق إلا ليعلن ميلاد فرصة جديدة للتوبة، وليالٍ لا تسكن إلا لتفتح أبواب السماء للمتهجدين والذاكرين. هي الأيام التي قال الله تعالى فيها: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ}، والأيام المعلومات هي عشر ذي الحجة، وهي ذاتها التي قال الله تعالى عنها: {وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ}، حيث قيل إن العشر التي أتم بها الميقات هي عشر ذي الحجة.

وفي هذه العشر المباركة يرتفع ضجيج القلوب بالتلبية، وتلهج الألسن بالتحميد والتهليل، مسارعةً إلى مرضاة الله، وقد أكدت السنة المطهرة أن هذه الأيام هي ذروة الزمان للعمل الصالح، فهي أحب الأيام إلى الله، حيث قال صلى الله عليه وآله وسلم: «ما من أيامٍ العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر»، وهي أفضل أيام الدنيا لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «أفضل أيام الدنيا أيام العشر»، ولذلك كان التوجيه النبوي للمؤمنين: «ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر؛ فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد»، حيث يجتمع فيها أمهات العبادة من صلاة وصيام وصدقة وذكر، في مشهد إيماني يربط الأرض بالسماء.

وفي قلب هذه الرحلة الروحانية، يبرز يوم عرفة كتاجٍ مرصع باليقين، هو يوم إكمال الدين، قال تعالى في شأن يوم عرفة (الذي نزل فيه هذا النص في حجة الوداع): {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}. إن يوم عرفة هو جوهرة هذه العشر وفيه من الفضل ما لا يوجد في غيره، وهو أفضل يوم طلعت عليه الشمس، اليوم المشهود الذي يقف فيه وفد الله على صعيد واحد، مجردين من زينة الدنيا، لا يسترهم إلا ثوب أبيض كأكفانهم، ولا يرفعهم إلا افتقارهم لخالقهم. إن يوم عرفة هو يوم سكب العبرات، ومحو العثرات، وإقالة العثرات؛ فيه يباهي الله ملائكته بعباده الذين أتوه «شعثاً غبراً» من كل فج عميق، ضارعين بقلوب وجلة، تطلب العفو وتطمع في الرضا، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة».

ويستحب صيام يوم عرفة لغير الحاج إستحباباً مؤكداً، وهو بمثابة غسلٍ للروح من أدران الذنوب، فعندما سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن صوم يوم عرفة قال: «يكفر السنة الماضية والباقية»، ليكون هذا اليوم محطة تطهير شاملة تعيد للإنسان نقاء فطرتة وصفاء سريرته. كما أن هذا اليوم هو موطن إجابة الدعاء، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير».

أما حجاج بيت الله الحرام، فهم سفراء الشوق الذين استجابوا لنداء الخليل إبراهيم، وفد الله الذين بشرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأعلى المراتب حين قال: «الحجاج والعمار وفد الله، إن دعوه أجابهم، وإن استغفروه غفر لهم». لقد طافوا بالبيت العتيق تعظيماً، وسعوا بين الصفا والمروة تسليماً، ووقفوا بعرفات خشوعاً، وهم في ضيافة الرحمن، وقد نالوا الفضل العظيم حيث قال صلى الله عليه وآله وسلم: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة»، وقال أيضاً: «من حج لله فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه». وحتى الإنفاق في هذا السبيل له شأن عظيم، فقد ورد في الأثر أن «النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف».

في كل تكبيرة يرفعونها، وفي كل دمعة يذرفونها على أعتاب جبل الرحمة، تتجسد معاني الوحدة والمساواة، حيث تذوب الفوارق وتتحد الغايات خلف رب واحد وقبلة واحدة. إن التأمل في آيات الحج مثل قوله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ}، يبعث في النفس هيبة الموقف وعظمة اللقاء. إن هذه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ترسم لوحة من النور تدعو المؤمن لاغتنام كل لحظة من هذه الليالي والأيام بالصلاة، والذكر، والصدقة، والدعاء، استمطاراً لرحمات الله التي تفيض في هذه المواسم المباركة، وتحث كل مؤمن، سواء كان في رحاب مكة أو في وطنه، أن يعيش روحانية هذه العشر بذات الصدق، متلمساً نفحات الله، ومستشعراً أن القرب منه سبحانه لا يحتاج إلا لقلب سليم وروح خاشعة تدرك أن الله قريب يجيب دعوة الداع إذا دعاه.


التصنيفات:
تعديل المشاركة
Reactions:
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال