جاري تحميل ... مدونة المرجل

الاخبار

إعلان في أعلي التدوينة

 

رياض الفرطوسي ||


يبدأ الطيران الحقيقي من الأعلى، من تلك المنطقة الهلامية داخل الجمجمة التي نسميها وعياً.

لكن السؤال الوجودي الذي يؤرق الفلسفة وعلم النفس الاجتماعي هو: هل يملك الإنسان المحطم من الداخل، الخائف والجائع والمهان والذليل، القدرة على خوض مغامرة فكرية؟ إ

ان إنتاج فكرة جديدة، أو التمرد على سائد ثقافي، ليس ترفاً ذهنياً، بل هو مغامرة كبرى تتطلب ذاتاً متماسكة، أصيلة، تعيش في تصالح مع نفسها وليست ذاتاً “مصنّعة” في دهاليز الخوف والترهيب والنفاق والمجاملات والكذب .

الإنسان الحر عندما يغامر بفكرة، تحضر معه روحه في تلك اللحظة صافية وموحدة كسبيكة الذهب، أما المقموع فما الذي سيحضر معه في لحظة المغامرة الفكرية سوى شتات الخوف وأصداء سوط الجلاد؟

إن الحرية ليست عبثاً، بل هي منتج عالي الجودة وفق المواصفة القياسية للحياة، ولا يمكن العثور عليها بلا وعي حقيقي وممارسة صلبة لشجاعة التفكير.

هذا العجز الفكري هو ما شرّحه بدقة الدكتور مصطفى حجازي في كتابه “التخلف الاجتماعي”، حيث يظهر الإنسان المقهور سينمائياً ككائن واثق ونفاخ واستعراضي، لكنه في عمقه النفسي بائس، وقلق، وجبان، يعاني من عقدة عار مزمنة تمنعه من توليد أي فكر حقيقي.

إنه يكذب على نفسه أولاً ليتحمل هوان واقعه، وهذا التشوّه البنيوي يحول العقل من أداة إنتاج إلى مجرد “مطحنة فارغة” لا تنتج سوى الضجيج والصخب، كالعربات الفارغة التي تصدر الجلبة لأنها خالية من المضمون.

في مثل هذه البيئات المقهورة، يغيب العقل بوصفه محتوى ثقافياً وفكرياً، وتتحول المجتمعات بأسرها إلى الانشغال بتفاهات قشرية، كمعارك الحجاب ونزعه، أو (مشاهد عبثية تختزل بؤس الوعي المقهور؛

حيث تُستنفر العشائر وتُسفك دماء البشر في نزاعات مسلحة من أجل ذيل عجل قُطع أو حمامة حطّت على سطح الجار، وتغلي منصات الرأي العام لأسابيع صخباً خلف تفاهات مشاهير “التيك توك” وخناقات الشوارع على شبر من رصيف، في هروب جماعي لا واعٍ من مواجهة الأزمات المصيرية والفساد والجهل، نحو صناعة معارك وهمية تمنح العاجز شعوراً زائفاً بالقوة والانتصار) بينما تُنهب مقدراتها وتُهرب أموالها إلى خزائن دول كسويسرا التي تتغذى تاريخياً على غباء الشعوب المقهورة وسرقة نخبها، في وقت تظل فيه اللغة السياسية السائدة (كما وصفها جورج أورويل) مصممة لجعل الكذب يبدو صدقاً والقتل محترماً.

تاريخ الفكر يثبت أن الطيران الفكري لا يحتاج إلى أجساد رشيقة بقدر ما يحتاج إلى أدمغة حرة.

عباس بن فرناس لم يكن مجرد مغامر جسد، بل كان يملك وعياً علمياً متمرداً لم تستطع سلطة المجتمع أو فقهاء عصره تدجينه.

وشعراء العرب الأوائل حلقوا في فضاءات فكرية بوهيمية شاسعة لأنهم امتلكوا كرامتهم أولاً، مقارنة بكتاب الخواطر المدجنة اليوم الذين يكتبون تحت سقف الخوف.

إن التحرر الفكري لا يناقش بلغة السياسة، بل بوعي الكرامة الحية؛ فالإنسان الذي يعرف مبكراً معنى الحرية، يمكنه أن يحلق فكرياً حتى لو كان محاصراً بالحدود والخطوط الحمراء.

العلم والوعي هما الأجنحة الحقيقية التي تفكك عقدة القهر النفسي، وتحول الفرد من مخلوق يزحف في طين التبعية والتقليد، إلى كائن يطير في فضاء الإبداع والتمرد الفكري، معلناً أن العقل الحر هو السبيل الوحيد للعثور على الإنسانية المفقودة.


تعديل المشاركة
Reactions:
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال