حسن عبد الهادي العگيلي
لم يكن ذلك اليوم يشبه أي يوم.
منذ الليل، حين تسرّب الخبر، علمنا أن السيد محمد صادق الصدر قد اغتيل. لم يُعلَن الخبر رسمياً، بل تسرّب همساً بين الأفواه، دافئاً وموجعاً في آنٍ معاً، ثقيلاً كالرصاص، محرقاً كالجمر. وفي تلك الليلة، لم تنم عيني، ولم تنم روحي، ولم ينم شيء بداخلي إلا ما كان يشبه الأمل.
كانت الأوامر قد وصلت إلى الوحدات العسكرية بصرامة غير مألوفة؛ تشديد أمني خانق، وحظر مشدد على أبناء بغداد من النزول إلى مناطق سكناهم إلا بتعهد خطي بالعودة قبل موعد تجمع العرضات.
كانوا يعرفون ما تعنيه الأخبار، وكانوا يعرفون ما تصنعه الأزقة والحواري حين تمتلئ بالحزن، حين يجلس الناس على العتبات يتهامسون ويبكون ويتذكرون، فتتحول الحارة الواحدة إلى جمرة لا تُطفأ ونار لا تُخمد. أحكموا قبضتهم على الأرواح قبل أن تعود إلى أحيائها، خشيةً مما تفعله الأزقة حين تحترق بالحزن والحب معاً.
في صباح العشرين من شباط عام تسعة وتسعين، الساعة الحادية عشرة، وتحت ظلال أشجار التسلق الصامتة في مدرسة المعدات الفنية بأبو غريب، تلك الأشجار التي اعتادت على صرخات التدريب ولغة الحديد والعرق، لا على دموع المصيبة ولا على أنين الفقد، وقفتُ وحيداً في البداية، أحمل بين يديّ ورقتين كتبتهما ليلاً على عجل وبرعشة لم تكن من البرد، بل من ذلك الألم الذي لا اسم له، ذلك الألم الذي يسكن الصدر حين يفقد الإنسان مَن كان يشعر في حضوره أن الدنيا لا تزال تستحق.
كنتُ قد أعددتُ القصيدتين لأقرأهما على علاء الساعدي وحده، صاحبي ورفيق خدمتي وشريك سنوات الغربة العسكرية، الذي أعرف كم كان يحب السيد الشهيد، وكم كان ذلك الحب عميقاً صامتاً راسخاً كالجبل. قصيدة أولى أهداها لي ذات يوم الشاعر هادي الشيخ طه، والد الشاعر حسن الشيخ، وكان مطلعها يحمل من الجلال والكبرياء ما يليق بشهيد لم يركع حتى وهو يعلم أن الرصاص في طريقه إليه:
“أطمئنوا.. سأصلي ولو نصبتم ألفَ فخٍّ لوضوئي”
وقصيدة ثانية كنت قد أخذتها من نشرة المقاومة الفلسطينية تتحدث عن الشهادة والفداء، فأضفتُ عليها وغيّرتُ فيها ما يلائم الجرح الجديد، جرح العراق النازف من رأسه هذه المرة.
بدأتُ أقرأ.
لا أعلم كيف، ولكن في تلك اللحظة بالذات، كأن الهواء نفسه توقف عن السريان، وكأن الأشجار من حولنا أصغت، وكأن الأرض تحت أقدامنا أحست بثقل ما يجري فوقها. التفتُّ فإذا بثمانية من الجنود قد اجتمعوا من حولي دون أن أشعر بهم، قادمون من بغداد ومن واسط ومن جلولاء، من أصقاع العراق التي جمعها الجيش قسراً في هذا المكان، كأن لطف الله قد ساقهم إلى تلك البقعة في تلك الساعة بالذات، ليكونوا شهوداً على ما لم يخطط له أحد، وما لم يستطع أحد أن يمنعه.
طلبوا مني أن أعيد القراءة. فأعدتُ.
وما إن انتهيتُ حتى ارتفع البكاء.
بكاءٌ لم يكن يشبه بكاء الجنود ولا بكاء الخائفين، كان بكاءً آتياً من مكان آخر أعمق وأصدق، من تلك المساحة المحاصرة في القلب التي لا يستطيع أي نظام مهما اشتدت قبضته أن يصل إليها أو يصادرها. كانت الأكتاف العسكرية تهتز، والأنفاس تتقطع، والأيدي الخشنة المدربة على حمل السلاح تمسح الدموع بصمت مَن يخاف أن يُرى وهو يبكي، ومَن لا يستطيع أن يتوقف عن البكاء.
أما علاء الساعدي، صاحبي ورفيقي الذي كنتُ أقرأ من أجله في الأصل، فقد بلغ به الحزن ما بلغ حتى كاد يفقد وعيه ويسقط على الأرض من شدة ما اعتصر روحه. مددتُ يدي إليه أسنده، فوجدتُ أن يدي هي الأخرى ترتجف.
لم يعلم أحد من ضباط الوحدة بما جرى بيننا في تلك الزاوية من العالم. لم تُسجَّل تلك اللحظة في أي تقرير أمني، ولم تُرفع عنها أي وثيقة، ولم يُدوِّن أحد أسماءنا في سجل الحزن. ولكنها كانت حقيقية كالشمس، حاضرة كالألم، عميقة كالجرح الذي لا يندمل، كانت تحدث في قلب الجغرافيا التي أراد الطاغية أن تكون قبراً لكل حب وكل اعتراض وكل دمعة تُسكب لغير مجده.
تحت أشجار التسلق في أبو غريب، بين ثمانية من الجنود وكاتب قصيدة لم يكن يعلم أن كلماته ستُقرأ في أول مجلس عزاء يُعقد على روح الشهيد الصدر الثاني، انتصرت الروح على الخوف، وانتصر الحزن على الصمت، وانتصر الحب على كل شيء.
لم يكن كافياً.
ولكنه كان كل ما نملك. وكان أجمل ما فعلناه في تلك الأيام السود.
