جليل هاشم البكاء ||
مع حلول شهر المحرم من كل عام هجري، تتكرر التهاني والتبريكات لدى كثير من المسلمين بمناسبة بداية السنة الهجرية الجديدة، غير أن هناك من يتوقف عند سؤال تاريخي مهم: هل المحرم هو بالفعل شهر الهجرة النبوية؟
تاريخياً، وقعت الهجرة النبوية الشريفة في شهر ربيع الأول، حيث غادر الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله مكة المكرمة متوجهاً إلى المدينة المنورة، ووصل إليها في ربيع الأول. أما اعتماد المحرم بدايةً للسنة الهجرية فقد جاء لاحقاً في عهد الحاكم الثاني عمر بن الخطاب، بعد التشاور مع من معه من أهل الرأي والمشورة آنذاك، فتم اعتماد الهجرة مبدأً للتقويم، مع جعل شهر المحرم أول شهور السنة.
ومن هنا أرى كباحث بأن ربط المحرم بوقوع الهجرة نفسها ليس دقيقاً من الناحية التاريخية، لأن الحدث وقع في ربيع الأول، بينما كان اختيار المحرم تنظيماً إدارياً للتقويم وليس لأنه شهر وقوع الهجرة.
ومن جهة أخرى، فإن ثقافة أتباع أهل البيت عليهم السلام تنظر إلى شهر المحرم من زاوية مختلفة، فهو ليس موسماً للفرح والاحتفالات وتبادل عبارات البهجة، بل شهر ارتبط في وجدانهم بمصائب عظيمة بلغت ذروتها في فاجعة كربلاء واستشهاد الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه.
ولذلك فإن كثيراً من أتباع أهل البيت لا يرون مناسبةً لإظهار مظاهر الفرح مع دخول المحرم، حتى لو كان بداية سنة جديدة أو شهراً مباركاً من الأشهر الحرم. فبركة الزمن عندهم لا تنفصل عن الموقف من الحق وأهله، ولا عن استذكار التضحيات التي حفظت رسالة الإسلام وقيم العدالة والكرامة.
إن المحرم في هذا الفهم ليس شهراً للمرح والاحتفالات، بل شهر للتأمل والمراجعة واستحضار معاني التضحية والصبر والثبات على المبادئ. وهو مناسبة لتجديد العهد مع القيم التي جسدها الإمام الحسين عليه السلام في مواجهة الظلم والانحراف، واستذكار مدرسة أخلاقية وروحية ما زالت حاضرة في وجدان الملايين.
وهكذا يبقى المحرم عند أتباع أهل البيت عليهم السلام شهراً له خصوصيته الدينية والوجدانية، تُستحضر فيه معاني الولاء للحق، وتُقدَّم فيه قيم الإصلاح والعدالة على مظاهر الفرح العابرة، ليظل موسمَ وعيٍ وبصيرةٍ واستذكارٍ لتضحيات صنعت تاريخ الأمة.
