جاري تحميل ... مدونة المرجل

الاخبار

إعلان في أعلي التدوينة

الصفحة الرئيسية غير مصنف العراق بين تحديات الداخل ومشاريع التقسيم الإقليمي..!

العراق بين تحديات الداخل ومشاريع التقسيم الإقليمي..!

حجم الخط

 


عباس سرحان ||


يعيش النظام السياسي العراقي منذ تأسيسه بعد 2003 حالة توتر مستمر بين إرادات داخلية متصارعة وضغوط إقليمية ودولية متشابكة، جعلت منه نموذجاً للهشاشة السياسية وضعف المؤسسات، وفق ما أكدته تقارير الأمم المتحدة ودراسات مراكز الفكر الدولية كـ”كارنيغي” و”تشاتام هاوس” في السنوات الأخيرة.

لكن الأخطر اليوم أن العراق أصبح ميداناً لتقاسم مناطق نفوذ بين مشروعين توسعيين إقليميين، تركي يسعى لتعزيز نفوذه في شمال العراق والموصل عبر أوراق قومية كالتركمان وأخرى اقتصادية كملفي المياه والنفط في كركوك، كما توثق ذلك التقارير السنوية لوزارة الخارجية الأمريكية حول العمليات العسكرية التركية في شمال العراق منذ 2019.

ومشروع إسرائيلي يعمل عبر أدوات استخباراتية وسياسية على تفكيك تماسك الدولة وإضعافها، مستغلاً الانقسامات الداخلية والوجود الكردي المؤيد له في الشمال، وهو ما كشفت عنه تسريبات وثائق استخباراتية وتصريحات مسؤولين إسرائيليين سابقين حول اهتمامهم بالوجود الكردي كحليف استراتيجي، كما أشارت إليه تقارير “المجلس الأطلسي” و”معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى”.

والملفت أن الدول العربية المؤثرة الثرية، لم تقف موقفاً موحداً من هذين المشروعين، بل انقسمت بينهما؛ فبعضها يصطف مع المشروع الإسرائيلي مدفوعاً بالتطبيع ورغبته في إضعاف أي قوة عربية منافسة، وبعضها الآخر يصطف مع المشروع التركي رائياً فيه استعادة لنفوذ سنّي عثماني قديم في العمق العربي، وهو ما رصده عدد من المحللين في دراسات نشرتها منصات مثل “المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية” في سياق تحليل التحولات الإقليمية بعد 2020. وهذا يضع العراق أمام تحدٍ وجودي، إما أن ينهض موحداً، أو يتحول إلى مسرح لتقسيم جديد ينسف ما بُني بعد 2003.

في مواجهة هذه التحديات، لا مناص من إصلاحات جذرية. إصلاح مؤسسي حقيقي ومكافحة فساد فعلية عبر تفعيل أدوات الرقابة والمساءلة بمعزل عن التجاذبات السياسية، فالدولة القوية غير الفاسدة هي الحصن الأول ضد مشاريع التقسيم.

ولا يقل أهمية عن ذلك تنويع مصادر الدخل وكسر التبعية للدولار عبر تطوير الزراعة والصناعة والسياحة وعقد صفقات تجارية بعملات غير الدولار، وتحصين الوحدة الوطنية بخطاب سياسي جامع وقنوات حوار داخلية، وأخيراً بناء استراتيجية أمنية وسياسية مستقلة ترفض أي تواجد عسكري أو استخباراتي أجنبي على الأرض العراقية وتستفيد من علاقات دولية متوازنة دون انحياز لأي محور، وهو ما دعت إليه العديد من الأوساط السياسية العراقية المستقلة والمرجعيات الدينية.

ولكن لا يكتمل أي إصلاح مؤسسي أو اقتصادي من دون بناء قوة عسكرية وأمنية وطنية مستقلة، تمتلك السلاح الكافي للدفاع عن سيادة العراق وردع أي مشروع تقسيمي أو تدخل خارجي.

فالسلاح الوطني هو الضمانة الحقيقية لاستمرار الإصلاحات وحماية وحدة البلاد، بعيدًا عن الارتهان لقوى أجنبية أو الاعتماد على تحالفات خارجية قد تتحول إلى أدوات ضغط.

ومع كل ذلك، ومهما بدت الاصلاحات منطقية، الا انها تفترض وجود إجماع عراقي وطني على إعادة بناء الدولة، وهو ما يبدو بعيد المنال في ظل انقسام العراقيين إلى ثلاث كيانات متباعدة الرؤى، كما توثق ذلك استطلاعات الرأي المحلية والدولية التي تظهر تبايناً حاداً في التوجهات السياسية بين المكونات.

اذن، وبينما يهدف المشروع الإقليمي القادم إلى تهميش الشيعة وإقصائهم عن مركز القرار، ضمن إعادة ترتيب للمنطقة تخدم المشروعين التركي والإسرائيلي.

فمن باب أولى أن يشرع الشيعة أنفسهم بإيجاد دولة إنقاذ خاصة بهم في وسط وجنوب العراق، وهي منطقة غنية بالنفط والموارد قادرة على أن تكون دولة ثرية ومستقلة تتحرر من الضغوط الحالية وتقيم علاقات دولية جديدة بعيداً عن تركة العراق الثقيلة ونزاعاته الداخلية التي لم تنتج يوماً دولة موحدة متماسكة.

وإذا كان المشروع الإقليمي يرسم للعراق مستقبلًا شبيهًا بما آلت إليه سورية أو غيرها من دول المنطقة، فإن خيار التقسيم قد يفرض نفسه كأحد السيناريوهات المطروحة. وعندها، قد يكون من الأجدى أن يُدار هذا الخيار بإرادة شيعية واعية، لا أن يُفرض على الشيعة فرضًا من الخارج.


التصنيفات:
تعديل المشاركة
Reactions:
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال