جاري تحميل ... مدونة المرجل

الاخبار

إعلان في أعلي التدوينة

الصفحة الرئيسية غير مصنف طهران وواشنطن: الوقت الضائع وأزمة الطاقة..!

طهران وواشنطن: الوقت الضائع وأزمة الطاقة..!

حجم الخط

 


د. طالب الشوكة || 


محاولة طهران تقديم مبادرة لفتح مضيق هرمز خلال أسبوع، مقابل رفع الحصار البحري والإفراج عن الأصول المجمدة، ليست خطوة تكتيكية عابرة؛ بل هي قراءة استراتيجية عميقة تكشف عن عقلية تفاوضية تتقن استثمار التناقضات الأمريكية وانتزاع المكاسب بالمقابل. تدرك طهران أن الحصار المفروض على موانئها يخنق اقتصادها، لكنها تمتلك في المقابل الورقة الأكثر إيلاماً للعالم: مضيق هرمز. إنها، باختصار، مقايضة نفوذ وليست تنازلاً.

تدرك طهران أن واشنطن ومرشحي الحزب الجمهوري يواجهون ضغوطاً متزايدة جراء صدمة النفط وارتفاع الأسعار قبيل الانتخابات النصفية، وما قد يترتب على ذلك من تأثير في حظوظهم الانتخابية. لذا، فإن أي تأجيل لتصعيد عسكري واسع لا يُقرأ بالضرورة بوصفه قوة، بل قد يعكس حسابات سياسية واقتصادية تجعل الإدارة رهينة لأسعار الوقود والناخب الأمريكي، وتمنح طهران هامشاً أوسع للمناورة دون خشية رد عسكري فوري.

إذ تعي طهران حجم الضغوط المفروضة على موانئها، فإنها تتعامل مع التهديدات اللاحقة بمنطق من لا يخشى البلل بعد الغرق، مستفيدة من كون أوراق الضغط القصوى قد استُخدمت ضدها مسبقاً. إن بقاء المضيق مغلقاً جزئياً أو تحت التهديد يحافظ على أسعار نفط مرتفعة نسبياً، مما يضع البيت الأبيض بين فكي كماشة، ويدفعه إلى إعادة النظر في طموحاته العسكرية وإرجاء الحسم. وهذا يضع استراتيجية الحسم السريع التي سبق أن رُوّج لها أمام اختبار حقيقي؛ فلا تحفل طهران كثيراً بالرهانات الانتخابية المؤقتة التي تبني عليها الإدارة الأمريكية حساباتها، متبعة نهجاً يتجاوز الأجندات الظرفية للخصم.

لا تلتزم طهران بالتوقيتات أو الحسابات الانتخابية الأمريكية، بل تعتمد مبدأ استنزاف الخصم وانتظار اللحظة المناسبة لفرض الشروط. وفي هذا السياق، يأتي استهداف خط ينبع وتعطيل خط الشرق الغرب لإمدادات الطاقة، في حال ثبوت المسؤولية الإيرانية وحجم التعطيل، ضمن أدوات الضغط التي يمكن أن تسهم في خلق أزمة طاقة تدفع الإدارة الأمريكية نحو تسوية أكثر توازناً. فإبقاء الملاحة في الخليج في حالة استنزاف مستمر يثبت لواشنطن وحلفائها أن الأمن الإقليمي كلٌّ لا يتجزأ، وأن لا أمن لأحد طالما الموانئ الإيرانية محاصرة. ومن هذا المنظور، يُعد الصمود في وجه الشروط الأمريكية إنجازاً استراتيجياً في الحسابات الإيرانية، يستهدف إعادة رسم قواعد اللعبة خارج الرؤية الأمريكية.

في إطار معادلة قوامها الفعل ورد الفعل المكشوف، تجسد هذه الاستراتيجية صراع إرادات مباشراً لا مكان فيه للمناورات الجانبية، حيث تختبر طهران مدى قدرة الخصم على التحمل في مواجهة مفتوحة بلا خطوط حمراء. وفي المقابل، يعكس دخول عواصم القرار الأوروبي على الخط عبر تعزيز الوجود البحري وحماية الملاحة قلقاً بالغاً من انهيار أمن الطاقة العالمي. وتنظر طهران بقلق بالغ إلى هذه التحركات الرامية لهندسة طوق أمني إقليمي دولي لحماية البنى التحتية وتأمين الملاحة، وخصوصاً ما يتعلق بتحييد حلفائها الإقليميين وعلى رأسها أنصار الله ، بما قد يحد من قدرتها على استخدام أوراق قوتها في أي مواجهة أو مفاوضات مقبلة. وهنا يأتي بروز مسارات تفاهم جديدة، مثل الاتفاق بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد، ليؤكد أن تداعيات المواجهة الإيرانية تجاوزت حدود الإقليم، وأن تأثيرها بات حاضراً في حسابات القوى الإقليمية والدولية. وفي ظل تعذّر تأمين الملاحة بشكل مطلق ومستدام، تزداد أهمية خيار التسوية الشاملة عبر طاولات التفاهم، بوصفه مساراً يمكن أن يفتح الباب أمام ترتيبات أمنية وسياسية جديدة.

أما الموقف الأمريكي الرافض للمقترح، فيعكس رغبة واشنطن في عدم منح طهران مكاسب مجانية، خصوصاً أن استمرار الضغط واستنزاف القدرات الإيرانية قد يخدم سردية القوة لدى الجمهوريين. لكن تكتيك إدارة الوقت والتأجيل إلى ما بعد الانتخابات، وإن كان قد يخفف التكلفة الاقتصادية الفورية على الناخب الأمريكي، فإنه يمنح إيران متنفساً لالتقاط الأنفاس، ويتيح لها توسيع هامش المناورة وفرض معادلات تفاوضية جديدة. وهكذا، يتحول الوقت الضائع بين طهران وواشنطن من مجرد انتظار للحسم إلى ساحة صراع بحد ذاتها، تتداخل فيها حسابات الطاقة والانتخابات والأمن الإقليمي، وتضيق معها مساحة الخيارات أمام الطرفين.


تعديل المشاركة
Reactions:
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال