علي الحاج ||
ليست أزمة الإصلاح في العراق أزمة قرارات حكومية فحسب، ولا يمكن اختزالها في تغيير مسؤول أو استبدال حكومة بأخرى، فالمشكلة الأعمق تكمن في قدرة المجتمع على إدراك أسباب الخلل، والتمييز بين الإصلاح الذي يعالج جذور الأزمة والإجراءات التي تكتفي بمعالجة مظاهرها، وهذه واحدة من الأفكار الأساسية التي تناولها الشيخ الأمين قيس الخزعلي في رؤيته للإصلاح السياسي.
فقد انطلق سماحته من أن الإصلاح لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن إرادة المجتمع ووعيه، مستشهداً بقوله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ” (الرعد: 11)، وهي قاعدة قرآنية تجعل التغيير مسؤولية تبدأ من الإنسان، ولا تقتصر على السلطة التي تدير شؤونه.
وفي حديثه عن المبادرة الدستورية للإصلاح، أكد هذه الحقيقة بقوله: “عمدة الحل لأي إصلاح هو الشعب”، موضحاً أن اقتناع العراقيين بالطريق الصحيح للإصلاح يمثل الشرط الأساسي لنجاح أي مشروع يستهدف تغيير الواقع السياسي.
وهنا تتضح العلاقة بين الوعي والإصلاح في فكر الشيخ الأمين، فالقوانين مهما بلغت دقتها، والمؤسسات مهما تعددت صلاحياتها، تبقى بحاجة إلى مجتمع يمتلك القدرة على مراقبة أدائها ومحاسبة القائمين عليها، لأن الخلل الذي يستمر في ظل غياب الوعي يمكن أن يعيد إنتاج نفسه حتى بعد تغيير الوجوه والعناوين.
ومن هذا المنطلق، لم يتعامل الشيخ الأمين مع المبادرة الدستورية بوصفها حلاً فورياً للأزمة، بل عدّها خطوة في مسار طويل، فقال: “طريق الوعي هو طريق طويل يمكن أن يبدأ بخطوة وخطوة أخرى وتكاتف جهود كل الطيبين”، وهي عبارة تكشف إدراكه أن التحولات السياسية الحقيقية لا تصنعها المبادرات المنفردة، وإنما تنشأ من تراكم الجهود واتساع دائرة القناعة المجتمعية بضرورة التغيير.
وينسجم هذا الفهم مع ما ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في عهده إلى مالك الأشتر: “وإنما يستدل على الصالحين بما يجري الله لهم على ألسن عباده”، وهو توجيه يبرز أهمية نظرة المجتمع إلى القائمين على شؤونه، وما تقتضيه من مسؤولية أخلاقية في الحكم على الأداء والسلوك.
ولذلك أولى الشيخ الخزعلي اهتماماً خاصاً للنخب والكفاءات وطلبة الجامعات، ودعا إلى إشراكهم في مناقشة المبادرات الإصلاحية، إيماناً منه بأن الجامعات ليست مؤسسات للتعليم وحده، بل يمكن أن تكون منطلقاً لإنتاج الوعي وصناعة الرأي العام القادر على التأثير في مستقبل الدولة.
إن الإصلاح، وفق هذه الرؤية، لا يبدأ من القمة وحدها، ولا يكتمل من القاعدة بمعزل عن المؤسسات، وإنما يتحقق عندما يلتقي وعي المجتمع مع إرادة سياسية جادة، وتتحول المطالبة بالتغيير إلى مشروع واضح المعالم والأهداف.
وهكذا يصبح بناء الإنسان الواعي مقدمة لبناء الدولة القادرة، ويغدو الإصلاح مسؤولية مشتركة لا تنتهي عند صندوق الاقتراع، بل تبدأ منه وتمتد إلى الرقابة والمساءلة والمشاركة في صناعة المستقبل.
